Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي (ت 1376هـ) مصنف و مدقق


{ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } * { وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ } * { فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } * { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ فَإِنِ ٱنْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ }

هذه الآيات، تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله، وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة، لما قوي المسلمون للقتال أمرهم الله به، بعد ما كانوا مأمورين بكفِّ أيديهم، وفي تخصيص القتال { فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } حث على الإخلاص، ونهي عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين. { ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } أي: الذين هم مستعدون لقتالكم، وهم المكلفون الرجال، غير الشيوخ الذين لا رأي: لهم ولا قتال. والنهي عن الاعتداء يشمل أنواع الاعتداء كلها، من قتل من لا يقاتل من النساء والمجانين والأطفال، والرهبان ونحوهم، والتمثيل بالقتلى، وقتل الحيوانات، وقطع الأشجار [ونحوها] لغير مصلحة تعود للمسلمين. ومن الاعتداء مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها، فإن ذلك لا يجوز. { وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم } هذا أمر بقتالهم أينما وجدوا في كل وقت، وفي كل زمان قتال مدافعة، وقتال مهاجمة ثم استثنى من هذا العموم قتالهم { عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } وأنه لا يجوز إلا أن يبدؤوا بالقتال، فإنهم يقاتلون جزاء لهم على اعتدائهم، وهذا مستمر في كل وقت، حتى ينتهوا عن كفرهم فيسلموا، فإن الله يتوب عليهم، ولو حصل منهم ما حصل من الكفر بالله والشرك في المسجد الحرام، وصد الرسول والمؤمنين عنه، وهذا من رحمته وكرمه بعباده. ولما كان القتال عند المسجد الحرام يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام، أخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك والصد عن دينه، أشد من مفسدة القتل، فليس عليكم - أيها المسلمون - حرج في قتالهم. ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة، وهي: أنه يرتكب أخف المفسدتين، لدفع أعلاهما. ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به سفك دماء الكفار وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن { وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ } تعالى فيظهر دين الله [تعالى]، على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه من الشرك وغيره، وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود فلا قتل ولا قتال، { فَإِنِ ٱنْتَهَواْ } عن قتالكم عند المسجد الحرام { فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ } أي: فليس عليهم منكم اعتداء إلا من ظلم منهم، فإنه يستحق المعاقبة، بقدر ظلمه.