Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي (ت 1376هـ) مصنف و مدقق


{ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ }

يقول تعالى: { لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } أي: ليس هذا هو البر المقصود من العباد، فيكون كثرة البحث فيه والجدال من العناء الذي ليس تحته إلا الشقاق والخلاف، وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ونحو ذلك. { وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ } أي: بأنه إله واحد، موصوف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص. { وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } وهو كل ما أخبر الله به في كتابه أو أخبر به الرسول مما يكون بعد الموت. { وَٱلْمَلاۤئِكَةِ } الذين وصفهم الله لنا في كتابه، ووصفهم رسوله صلى الله عليه وسلم، { وَٱلْكِتَابِ } أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على رسوله، وأعظمها القرآن، فيؤمن بما تضمنه من الأخبار والأحكام، { وَٱلنَّبِيِّينَ } عموماً، خصوصاً خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم. { وَآتَى ٱلْمَالَ } وهو كل ما يتموله الإنسان من مال، قليلاً كان أو كثيراً، أي: أعطى المال { عَلَىٰ حُبِّهِ } أي: حب المال ، بيَّن به أن المال محبوب للنفوس، فلا يكاد يخرجه العبد. فمن أخرجه مع حبه له تقرباً إلى الله تعالى، كان هذا برهاناً لإيمانه، ومن إيتاء المال على حبه أن يتصدق وهو صحيح شحيح، يأمل الغنى، ويخشى الفقر، وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة كانت أفضل، لأنه في هذه الحال يحب إمساكه، لما يتوهمه من العدم والفقر. وكذلك إخراج النفيس من المال، وما يحبه من ماله كما قال تعالى:لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [آل عمران: 92] فكل هؤلاء ممن آتى المال على حبه. ثم ذكر المنفق عليهم، وهم أولى الناس ببرَّك وإحسانك. من الأقارب الذين تتوجع لمصابهم، وتفرح بسرورهم، الذين يتناصرون ويتعاقلون، فمن أحسن البر وأوفقه تعاهد الأقارب بالإحسان المالي والقولي، على حسب قربهم وحاجتهم. ومن اليتامى الذين لا كاسب لهم، وليس لهم قوة يستغنون بها، وهذا من رحمته [تعالى] بالعباد، الدالة على أنه تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده، فالله قد أوصى العباد، وفرض عليهم في أموالهم الإحسان إلى من فُقِدَ آباؤهم ليصيروا كمن لم يفقد والديه، ولأن الجزاء من جنس العمل، فمن رحم يتيم غيره رُحِمَ يتيمه. { وَٱلْمَسَاكِينَ } وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلهم الفقر، فلهم حق على الأغنياء بما يدفع مسكنتهم أو يخففها، بما يقدرون عليه وبما يتيسر، { وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ } وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، فحثَّ الله عباده على إعطائه من المال ما يعينه على سفره، لكونه مظنة الحاجة، وكثرة المصارف، فعلى من أنعم الله عليه بوطنه وراحته وخوله من نعمته، أن يرحم أخاه الغريب الذي بهذه الصفة على حسب استطاعته، ولو بتزويده أو إعطائه آلة لسفره، أو دفع ما ينوبه من المظالم وغيرها.

السابقالتالي
2