Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي (ت 1376هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ } * { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } * { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }

أي: ما يرغب { عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ } بعد ما عرف من فضله { إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } أي: جهلها وامتهنها ورضي لها بالدون، وباعها بصفقة المغبون، كما أنه لا أرشد وأكمل، ممن رغب في ملة إبراهيم، ثم أخبر عن حالته في الدنيا والآخرة فقال: { وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا } أي: اخترناه ووفقناه للأعمال، التي صار بها من المصطفين الأخيار. { وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ } الذين لهم أعلى الدرجات. { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ } امتثالاً لربه { أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } إخلاصاً وتوحيداً، ومحبة وإنابة، فكان التوحيد لله نعته. ثم ورثه في ذريته ووصاهم به، وجعلها كلمة باقية في عقبه، وتوارثت فيهم، حتى وصلت ليعقوب فوصَّى بها بنيه. فأنتم - يا بني يعقوب - قد وصاكم أبوكم بالخصوص، فيجب عليكم كمال الانقياد، واتباع خاتم الأنبياء قال: { يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ } أي: اختاره وتخيره لكم رحمة بكم، وإحساناً إليكم، فقوموا به واتصفوا بشرائعه، وانصبغوا بأخلاقه، حتى تستمروا على ذلك فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه، لأن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه. ولما كان اليهود يزعمون أنهم على ملَّة إبراهيم، ومن بعده يعقوب، قال تعالى منكراً عليهم: { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ } أي: حضوراً { إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ } أي: مقدماته وأسبابه، فقال لبنيه على وجه الاختبار، ولتقرَّ عينه في حياته بامتثالهم ما وصاهم به: { مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي }؟ فأجابوه بما قرّت به عينه فقالوا: { نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً } فلا نشرك به شيئاً، ولا نعدل به أحداً، { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } فجمعوا بين التوحيد والعمل. ومن المعلوم أنهم لم يحضروا يعقوب، لأنهم لم يوجدوا بعد، فإذا لم يحضروا، فقد أخبر الله عنه أنه وصى بنيه بالحنيفية لا باليهودية. ثم قال تعالى: { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } أي: مضت { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ } أي: كل له عمله، وكل سيجازى بما فعله، لا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفع أحداً إلا إيمانه وتقواه فاشتغالكم بهم وادعاؤكم أنكم على ملتهم، والرضا بمجرد القول، أمر فارغ لا حقيقة له، بل الواجب عليكم أن تنظروا حالتكم التي أنتم عليها، هل تصلح للنجاة أم لا؟