Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي (ت 1376هـ) مصنف و مدقق


{ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } * { مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }

يحذر تعالى عباده من نقض العهود والأيمان، لأجل متاع الدنيا وحطامها، فقال: { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً } تنالونه بالنقض وعدم الوفاء { إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ } من الثواب العاجل والآجل لمن آثر رضاه، وأوفى بما عاهد عليه الله { هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } من حطام الدنيا الزائلة { إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }. فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الذي عندكم ولو كثر جداً، لا بد أن { يَنفَدُ } ويفنى، { وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ } ببقائه لا يفنى ولا يزول، فليس بعاقل من آثر الفاني الخسيس على الباقي النفيس، وهذا كقوله تعالى:بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } [الأعلى: 16-17]وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ } [آل عمران: 198] وفي هذا الحث والترغيب على الزهد في الدنيا. خصوصاً الزهد المتعين، وهو الزهد فيما يكون ضرراً على العبد، ويوجب له الاشتغال عما أوجب الله عليه، وتقديمه على حق الله، فإن هذا الزهد واجب. ومن الدواعي للزهد أن يقابل العبد لذات الدنيا، وشهواتها بخيرات الآخرة، فإنه يجد من الفرق والتفاوت ما يدعوه إلى إيثار أعلى الأمرين [وليس الزهد الممدوح هو الانقطاع للعبادات القاصرة كالصلاة والصيام والذكر، ونحوها، بل لا يكون العبد زاهداً زهداً صحيحاً حتى يقوم بما يقدر عليه من الأوامر الشرعية الظاهرة والباطنة، ومن الدعوة إلى الله وإلى دينه بالقول والفعل، فالزهد الحقيقي هو الزهد فيما لا ينفع في الدين والدنيا، والرغبة والسعي في كل ما ينفع]. { وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ } على طاعة الله، وعن معصيته، وفطموا نفوسهم عن الشهوات الدنيوية المضرة يدينهم { أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولهذا ذكر جزاء العاملين في الدنيا والآخرة فقال: { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ } فإن الإيمان شرط في صحة الأعمال الصالحة وقبولها، بل لا تسمى أعمالاً صالحة، إلا بالإيمان، والإيمان مقتض لها، فإنه التصديق الجازم المثمر لأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبات، فمن جمع بين الإيمان والعمل الصالح { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } وذلك بطمأنينة قلبه، وسكون نفسه، وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه، ويرزقه الله رزقاً حلالاً طيباً، من حيث لا يحتسب. { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ } في الآخرة { أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من أصناف اللذات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فيؤتيه الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة.