Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي (ت 1376هـ) مصنف و مدقق


{ فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ } * { يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } * { وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ } * { سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ } * { لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } * { هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ }

يقول تعالى: { فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } بنجاتهم ونجاة أتباعهم وسعادتهم وإهلاك أعدائهم وخذلانهم في الدنيا، وعقابهم في الآخرة، فهذا لا بد من وقوعه، لأنه وعد به الصادق قولاً، على ألسنة أصدق خلقه، وهم الرسل، وهذا أعلى ما يكون من الأخبار، خصوصاً وهو مطابق للحكمة الإلهية، والسنن الربانية، وللعقول الصحيحة، والله تعالى لا يعجزه شيء، فإنه { عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ }. أي: إذا أراد أن ينتقم من أحد، فإنه لا يفوته ولا يعجزه، وذلك في يوم القيامة، { يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ } تبدل غير السماوات، وهذا التبديل تبديل صفات، لا تبديل ذات، فإن الأرض يوم القيامة تسوى وتمد كمد الأديم، ويلقى ما على ظهرها من جبل ومَعْلم، فتصير قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وتكون السماء كالمهل، من شدة أهوال ذلك اليوم، ثم يطويها الله تعالى بيمينه. { وَبَرَزُواْ } أي: الخلائق من قبورهم إلى يوم بعثهم، ونشورهم في محل لا يخفى منهم على الله شيء، { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } أي: المتفرد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله العظيمة، وقهره لكل العوالم فكلها تحت تصرفه وتدبيره، فلا يتحرك منها متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإذنه. { وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ } أي: الذين وصفهم الإجرام، وكثرة الذنوب، في ذلك اليوم { مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ } أي: يسلسل كل أهل عمل من المجرمين بسلاسل من نار، فيقادون إلى العذاب في أذل صورة وأشنعها وأبشعها. { سَرَابِيلُهُم } أي: ثيابهم { مِّن قَطِرَانٍ } وذلك لشدة اشتعال النار فيهم وحرارتها، ونتن ريحها، { وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ } التي هي أشرف ما في أبدانهم { ٱلنَّارُ } أي: تحيط بها، وتصلاها من كل جانب، وغير الوجوه من باب أولى وأحرى، وليس هذا ظلماً من الله لهم، وإنما هو جزاء لما قدموا وكسبوا، ولهذا قال تعالى: { لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } من خير وشر بالعدل والقسط، الذي لا جور فيه بوجه من الوجوه. { إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } كقوله تعالى:ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } [الأنبياء: 1] ويحتمل أن معناه: سريع المحاسبة، فيحاسب الخلق في ساعة واحدة، كما يرزقهم ويدبرهم بأنواع التدابير في لحظة واحدة، لا يشغله شأن عن شأن، وليس ذلك بعسير عليه. فلما بين البيان المبين في هذا القرآن قال في مدحه: { هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ } أي: يتبلغون به، ويتزودون إلى الوصول إلى أعلى المقامات وأفضل الكرامات، لما اشتمل عليه من الأصول والفروع، وجميع العلوم التي يحتاجها العباد. { وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } لما فيه من الترهيب من أعمال الشر، وما أعد الله لأهلها من العقاب، { وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } حيث صرف فيه من الأدلة والبراهين على ألوهيته ووحدانيته، ما صار ذلك حق اليقين، { وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ } أي: العقول الكاملة، ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وبذلك صاروا أولي الألباب والبصائر. إذ بالقرآن ازدادت معارفهم وآراؤهم، وتنورت أفكارهم لما أخذوه غضاً طرياً فإنه لا يدعو إلا إلى أعلى الأخلاق والأعمال وأفضلها، ولا يستدل على ذلك إلا بأقوى الأدلة وأبينها. وهذه القاعدة إذا تدرب بها العبد الذكي، لم يزل في صعود ورقي على الدوام في كل خصلة حميدة.