الرئيسية - التفاسير


* تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي (ت 1376هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ } * { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } * { فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ }

يقول تعالى لنبيه: واتل على قومك { نَبَأَ نُوحٍ } في دعوته لقومه، حين دعاهم إلى الله مدة طويلة، فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فلم يزدهم دعاؤه إياهم إلا طغياناً، فتمللوا منه وسئموا، وهو عليه الصلاة والسلام غير متكاسل، ولا متوان في دعوتهم، فقال لهم: { يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ } أي: إن كان مقامي عندكم وتذكيري إياكم ما ينفعكم { بِآيَاتِ ٱللَّهِ } الأدلة الواضحة البينة، قد شق عليكم وعظم لديكم، وأردتم أن تنالوني بسوء أو تردوا الحق. { فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ } أي: اعتمدت على الله في دفع كل شر يراد بي، وبما أدعو إليه، فهذا جندي وعُدّتي. وأنتم، فأتوا بما قدرتم عليه، من أنواع العَدَدَ والعُددَ. { فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ } كلكم، بحيث لا يتخلف منكم أحد، ولا تدخروا من مجهودكم شيئاً. { وَ } أحضروا { شُرَكَآءَكُمْ } الذي كنتم تعبدونهم وتوالونهم من دون الله رب العالمين. { ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } أي: مشتبهاً خفياً، بل ليكن ذلك ظاهراً علانية. { ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ } أي: اقضوا عليَّ بالعقوبة والسوء الذي في إمكانكم، { وَلاَ تُنظِرُونَ } أي: لا تمهلونِ ساعة من نهار. فهذا برهان قاطع، وآية عظيمة على صحة رسالته، وصدق ما جاء به، حيث كان وحده لا عشيرة تحميه، ولا جنود تؤويه. وقد بادأ قومه بتسفيه آرائهم وفساد دينهم وعيب آلهتهم. وقد حملوا من بغضه وعداوته ما هو أعظم من الجبال الرواسي، وهم أهل القدرة والسطوة، وهو يقول لهم: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ومن استطعتم، وأبدوا كل ما تقدرون عليه من الكيد، فأوقعوا بي إن قدرتم على ذلك، فلم يقدروا على شيء من ذلك. فعلم أنه الصادق حقاً، وهم الكاذبون فيما يدَّعون، ولهذا قال: { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } عن ما دعوتكم إليه، فلا موجب لتوليكم، لأنه تبين أنكم لا تولون عن باطل إلى حق، وإنما تولون عن حق قامت الأدلة على صحته، إلى باطل قامت الأدلة على فساده. ومع هذا { فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ } على دعوتي وعلى إجابتكم، فتقولوا: هذا جاءنا ليأخذ أموالنا، فتمتنعون لأجل ذلك. { إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ } أي: لا أريد الثواب والجزاء إلا منه، { وَ } أيضاً فإني ما أمرتكم بأمر وأخالفكم إلى ضده، بل { أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } فأنا أول داخل، وأول فاعل لما أمرتكم به. { فَكَذَّبُوهُ } بعد ما دعاهم ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً، فلم يزدهم دعاؤه إلا فراراً، { فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ } الذي أمرناه أن يصنعه بأعيننا، وقلنا له إذا فار التنور: فـٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ } [هود: 40] ففعل ذلك. فأمر الله السماء أن تمطر بماء منهمر وفجر الأرض عيوناً، فالتقى الماء على أمر قد قدر:وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } [القمر: 13] تجري بأعيننا، { وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ } في الأرض بعد إهلاك المكذبين. ثم بارك الله في ذريته، وجعل ذريته هم الباقين، ونشرهم في أقطار الأرض، { وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا } بعد ذلك البيان، وإقامة البرهان، { فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ } وهو: الهلاك المخزي، واللعنة المتتابعة عليهم في كل قرن يأتي بعدهم، لا تسمع فيهم إلا لوماً، ولا ترى إلا قدحاً وذماً. فليحذر هؤلاء المكذبون، أن يحل بهم ما حل بأولئك الأقوام المكذبين من الهلاك والخزي والنكال.