Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير/ أبو بكر الجزائري (مـ 1921م) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } * { وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }

شرح الكلمات:

ومن حولهم من الأعراب: وهم مزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم.

ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه: أي يطلبون لأنفسهم الراحة ولنفس رسول الله التعب والمشقة.

ظمأ: أي عطش.

ولا نصب: أي ولا تعب.

ولا مخمصة: أي مجاعة شديدة.

يغيظ الكفار: أي يصيبهم بغيظ في نفوسهم يحزنهم.

نيلا: أي منالاً من أسر أو قتل أو هزيمة للعدو.

وادياً: الوادي: سيل الماء بين جبلين أو مرتفعين.

لينفروا كافة: أي يخرجوا للغزو والجهاد جميعاً.

طائفة: أي جماعة معدودة.

ليتفقهوا في الدين: أي ليعلموا أحكام الدين وأسرار شرائعه.

ولينذروا قومهم: أي ليخوفوهم عذاب النار بترك العمل بشرع الله.

لعلهم يحذرون: أي عذاب الله تعالى بالعلم والعمل.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في آثار أحداث غزوة تبوك فقال تعالى { مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ } أي سكانها من المهاجرين والأنصار { وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ } أي ومن النازلين حول المدينة من الأعراب كمزينة وجهينة وغفار وأشجع وأسلم { أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ } إذا خرج إلى جهاد ودعا بالنفير العام وفي هذا عتاب ولوم شديد لمن تخلفوا عن غزوة تبوك وقوله { وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ } أي بأن يطلبوا لأنفسهم الراحة دون نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله { ذٰلِكَ } أي النهي الدال عليه بصيغة ما كان لأهل المدينة وهي أبلغ من النهي بأداته (لا) لأنه نفي للشأن أي هذا مما لا ينبغي أن يكون أبداً. وقوله { بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ } بسبب أنهم لا يصيبهم { ظَمَأٌ } أي عطش { وَلاَ نَصَبٌ } أي تعب { وَلاَ مَخْمَصَةٌ } أي جوع شديد في سبيل الله أي في جهاد أهل الكفر لإِعلاء كلمة الإِسلام التي هي كلمة الله { وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ } أي ولا يطأون أرضاً من أرض العدو يغتاظ لها العدو الكافر ويحزن { وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ } أي لله تعالى { نَّيْلاً } أي منالاً أي أسرى أو قتلى أو غنيمة منه أو هزيمة له { إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } فلهذا لا ينبغي لهم أن يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يفوتهم هذا الأجر العظيم. وقوله { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } تعليل لتقرير الأجر وإثباته لهم إن هُم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسنوا الصحبة والعمل وقوله تعالى { وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً } أي في سبيل الله الذي هو هنا الجهاد { صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً } أي قليلة ولا كثيرة { وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً } ذاهبين إلى العدو أو راجعين { إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ } أي ذلك المذكور من النفقة والسير في سبيل الله، وقوله تعالى { لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي جزاء أحسن عمل كانوا يعملونه قبل خروجهم في سبيل الله، وقوله تعالى { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ } أي قبيلة منهم طائفة أي جماعة { لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ } بما يسمعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعلمونه منه { وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ } عواقب الشرك والشر والفساد { لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } ذلك فينجون من خزي الدنيا وعذاب الآخرة هذه الآية نزلت لما سمع المسلمون ورأوا نتائج التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لن نتخلف بعد اليوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً ولا نتخلف عن غزو ما حيينا فأنزل الله تعالى هذه الآية يرشدهم إلى ما هو خير وأمثل فقال { فَلَوْلاَ } أي فهلا نفر من كل فرقة منهم أي قبيلة أو حيّ من أحيائهم طائفة فقط وتبقى طائفة منهم بدل أن يخرجوا كلهم ويتركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فإن خروجهم على هذا النظام أنفع لهم فالذين يبقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجون معه إذا خرج يتفقهون في الدين لصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والباقون هم في مهام دينهم أيضاً ودنياهم فإذا رجع أولئك المتفقهون علموا إخوانهم ما فاتهم من العلم وأسرار الشرع كما أن الذين ينفرون إلى الجهاد قد يشاهدون من نصر الله لأوليائه وهزيمته لأعدائه ويشاهدون أيضاً ضعف الكفار وفساد قلوبهم وأخلاقهم وسوء حياتهم فيعودون إلى إخوانهم فينذرونهم ما عليه أهل الكفر والفساد فيحذرون منه ويتجنبونه وفي هذا خير للجميع وهو معنى قوله تعالى { وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }.

السابقالتالي
2