Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } * { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }

قرأ حمزة والكسائي «فارقوا دينهم» وهي قراءة عليّ بن أبي طالب أي تركوا دينهم وخرجوا عنه. وقرأ الباقون { فرّقوا } بالتشديد إلا النخعي فإنه بالتخفيف. والمعنى أنهم جعلوا دينهم متفرّقاً فأخذوا ببعضه، وتركوا بعضه. قيل المراد بهم اليهود والنصارى. وقد رود في معنى هذا في اليهود قوله تعالىوَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } البينة 4. وقيل المراد بهم المشركون، عبد بعضهم الصنم، وبعضهم الملائكة. وقيل الآية عامة في جميع الكفار، وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر به الله، وهذا هو الصواب، لأن اللفظ يفيد العموم، فيدخل فيه طوائف أهل الكتاب، طوائف المشركين، وغيرهم ممن ابتدع من أهل الإسلام، ومعنى { شيعاً } فرقاً وأحزاباً، فتصدق على كل قوم كان أمرهم في الدين واحداً مجتمعاً، ثم اتبع كل جماعة منهم رأى كبير من كبرائهم، يخالف الصواب ويباين الحق { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء } أي لست من تفرّقهم، أو من السؤال عن سبب تفرّقهم والبحث عن موجب تحزبهم في شيء من الأشياء، فلا يلزمك من ذلك شيء، ولا تخاطب به، إنما عليك البلاغ، وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم " من غشنا فليس منا " أي نحن برآء منه، وموضع { فِي شَىْء } نصب على الحال. قال الفراء هو على حذف مضاف، أي لست من عقابهم في شيء، وإنما عليك الإنذار، ثم سلاه الله تعالى بقوله { إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ } فهو مجاز لهم بما تقتضيه مشيئته والحصر، بإنما هو في حكم التعليل لما قبله، والتأكيد له " ثُمَّ " هو يوم القيامة { يُنَبّئُهُمُ } أي يخبرهم بما ينزله بهم من المجازاة { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الأعمال التي تخالف ما شرعه الله لهم، وأوجبه عليهم، وهذه الآية من جملة ما هو منسوخ بآية السيف. قوله { مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } لما توعد سبحانه المخالفين له بما توعد، بين عقب ذلك مقدار جزاء العاملين بما أمرهم به الممتثلين لما شرعه لهم، بأن من جاء بحسنة واحدة من الحسنات فله من الجزاء عشر حسنات، والتقدير فله عشر حسنات أمثالها، فأقيمت الصفة مقام الموصوف. قال أبو علي الفارسي حسن التأنيث في عشر أمثالها، لما كان الأمثال مضافاً إلى مؤنث، نحو ذهبت بعض أصابعه. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير والأعمش " فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا " برفعهما. وقد ثبت هذا التضعيف في السنة بأحاديث كثيرة، وهذا التضعيف هو أقلّ ما يستحقه عامل الحسنة. وقد وردت الزيادة على هذا عموماً وخصوصاً، ففي القرآن كقولهكَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } البقرة 261. وورد في بعض الحسنات، أن فاعلها يجازى عليها بغير حساب، وورد في السنة المطهرة تضعيف الجزاء إلى ألوف مؤلفة.

السابقالتالي
2 3