Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } * { إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } * { لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً } * { هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } * { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }

قوله { هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } يعني كفار مكة، ومعنى صدّهم عن المسجد الحرام أنهم منعوهم أن يطوفوا به، ويحلوا عن عمرتهم { وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفاً } قرأ الجمهور بنصب { الهدي } عطفاً على الضمير المنصوب في { صدّوكم } ، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بالجرّ عطفاً على المسجد، ولا بدّ من تقدير مضاف، أي عن نحر الهدي، وقرىء بالرفع على تقدير وصدّ الهدي، وقرأ الجمهور بفتح الهاء من الهدي وسكون الدال، وروي عن أبي عمرو، وعاصم بكسر الدال وتشديد الياء، وانتصاب { معكوفاً } على الحال من الهدي، أي محبوساً. قال الجوهري عكفه أي حبسه ووقفه، ومنه { وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفاً } ومنه الاعتكاف في المسجد، وهو الاحتباس. وقال أبو عمرو بن العلاء معكوفاً مجموعاً، وقوله { أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } أي عن أن يبلغ محله، أو هو مفعول لأجله، والمعنى صدّوا الهدي كراهة أن يبلغ محله، أو هو بدل من الهدي بدل اشتمال، ومحله منحره، وهو حيث يحل نحره من الحرم، وكان الهدي سبعين بدنة، ورخّص الله سبحانه لهم بجعل ذلك الموضع الذي وصلوا إليه، وهو الحديبية محلاً للنحر. وللعلماء في هذا كلام معروف في كتب الفروع { وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } يعني المستضعفين من المؤمنين بمكة، ومعنى { لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } لم تعرفوهم وقيل لم تعلموا أنهم مؤمنون { أَن تَطَئُوهُمْ } يجوز أن يكون بدلاً من رجال ونساء، ولكنه غلب الذكور، وأن يكون بدلاً من مفعول { تعلموهم } ، والمعنى أن تطئوهم بالقتل والإيقاع بهم، يقال وطئت القوم، أي أوقعت بهم، وذلك أنهم لو كسبوا مكة، وأخذوها عنوة بالسيف لم يتميز المؤمنون الذين هم فيها من الكفار، وعند ذلك لا يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين، فتلزمهم الكفارة، وتلحقهم سبة، وهو معنى قوله { فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ } أي من جهتهم، و { مَّعَرَّةٌ } أي مشقة بما يلزمهم في قتلهم من كفارة وعيب، وأصل المعرّة العيب، مأخوذة من العرّ، وهو الجرب، وذلك أن المشركين سيقولون إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم. قال الزجاج لولا أن تقتلوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات، فتصيبكم منهم معرّة أي إثم، وكذا قال الجوهري، وبه قال ابن زيد. وقال الكلبي، ومقاتل، وغيرهما المعرّة كفارة قتل الخطأ، كما في قولهفَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } النساء 92 وقال ابن إسحاق المعرّة غرم الدية. وقال قطرب المعرّة الشدّة، وقيل الغمّ، و { بِغَيْرِ عِلْمٍ } متعلق بأن تطئوهم، أي غير عالمين، وجواب " لولا " محذوف، والتقدير لأذن الله لكم، أو لما كفّ أيديكم عنهم، واللام في { لّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } متعلقة بما يدلّ عليه الجواب المقدّر، أي ولكن لم يأذن لكم، أو كف أيديكم ليدخل الله في رحمته بذلك من يشاء من عباده وهم المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا في مكة، فيتمم لهم أجورهم بإخراجهم من بين ظهراني الكفار، ويفكّ أسرهم، ويرفع ما كان ينزل بهم من العذاب.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7