Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً } * { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً } * { وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً } * { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } * { وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً } * { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً }

قوله { يا أيها الذين آمنوا } هذا خطاب لخلص المؤمنين، وأمر لهم بجهاد الكفار، والخروج في سبيل الله، والحذر، والحذر لغتان كالمثل، والمثل. قال الفراء أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضاً، يقال خذ حذرك أي احذر، وقيل معنى الآية الأمر لهم بأخذ السلاح حذراً لأن به الحذر. قوله { فَٱنفِرُواْ } نفر ينفر بكسر الفاء نفيراً، ونفرت الدابة تنفر بضم الفاء نفوراً. والمعنى انهضوا لقتال العدوّ. أو النفير اسم للقوم الذين ينفرون، وأصله من النفار، والنفور، وهو الفزع، ومنه قوله تعالىوَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُوراً } الإسراء 46 أي نافرين، قوله { ثُبَاتٍ } جمع ثبة، أي جماعة، والمعنى انفروا جماعات متفرقات. قوله { أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً } أي مجتمعين جيشاً واحداً. ومعنى الآية الأمر لهم بأن ينفروا على أحد الوصفين ليكون ذلك أشدّ على عدوّهم، وليأمنوا من أن يتخطفهم الأعداء، إذا نفر كل واحد منهم وحده أو نحو ذلك، وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالىٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً } التوبة 41 وبقولهإِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ } التوبة 39 والصحيح أن الآيتين جميعاً محكمتان إحداهما في الوقت الذي يحتاج فيه إلى نفور الجميع، والأخرى عند الاكتفاء بنفور البعض دون البعض. قوله { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ } التبطئة والإبطاء التأخر، والمراد المنافقون كانوا يقعدون عن الخروج، ويقعدون غيرهم. والمعنى أن من دخلائكم وجنسكم ومن أظهر إيمانه لكم نفاقاً من يبطيء المؤمنين ويثبطهم، واللام في قوله " لِمَنْ " لام توكيد، وفي قوله { لَّيُبَطّئَنَّ } لام جواب القسم، و «من» في موضع نصب، وصلتها الجملة. وقرأ مجاهد، والنخعي، والكلبي { لَّيُبَطّئَنَّ } بالتخفيف { فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ } من قتل أو هزيمة أو ذهاب مال. قال هذا المنافق قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم حتى يصيبني ما أصابهم { وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ } غنيمة أو فتح { لَّيَقُولَنَّ } هذا المنافق قول نادم حاسد { يٰلَيتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً }. قوله { كَأَن لَّمْ يَكُنِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } جملة معترضة بين الفعل الذي هو { ليقولن } وبين مفعوله، وهو { يا لَيْتَنِى } وقيل إن في الكلام تقديماً وتأخيراً. وقيل المعنى ليقولنّ كأن لم تكن بينكم وبينه مودّة أي كأن لم يعاقدكم على الجهاد. وقيل هو في موضع نصب على الحال. وقرأ الحسن " لَّيَقُولَنَّ " بضم اللام على معنى من. وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم " كَأَن لَّمْ تَكُنْ " بالتاء على الفظ المودّة. قوله { فَأَفُوزَ } بالنصب على جواب التمني. وقرأ الحسن " فَأَفُوزَ " بالرفع. قوله { فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } هذا أمر للمؤمنين، وقدّم الظرف على الفاعل للاهتمام به. و { ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ } معناه يبيعون، وهم المؤمنون، والفاء في قوله { فَلْيُقَاتِلْ } جواب الشرط مقدّر، أي لم يقاتل هؤلاء المذكورون سابقاً الموصوفون بأن منهم لمن ليبطئن، فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم البائعون للحياة الدنيا بالآخرة، ثم وعد المقاتلين في سبيل الله بأنه سيؤتيهم أجراً عظيماً لا يقادر قدره، وذلك أنه إذا قتل فاز بالشهادة التي هي أعلى درجات الأجور، وإن غلب، وظفر كان له أجر من قاتل في سبيل الله مع ما قد ناله من العلوّ في الدنيا والغنيمة، وظاهر هذا يقتضي التسوية بين من قتل شهيداً، أو انقلب غانماً، وربما يقال إن التسوية بينهما إنما هي في إيتاء الأجر العظيم، ولا يلزم أن يكون أجرهما مستوياً، فإن كون الشيء عظيماً هو من الأمور النسبية التي يكون بعضها عظيماً بالنسبة إلى ما هو دونه، وحقيراً بالنسبة إلى ما هو فوقه.

السابقالتالي
2 3