Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً }

قد تقدّم معنى الشقاق في البقرة، وأصله أن كل واحد منهم يأخذ شقاً غير شق صاحبه، أي ناحية غير ناحيته، وأضيف الشقاق إلى الظرف لإجرائه مجرى المفعول به، كقوله تعالىبَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } سبأ 33» وقوله يا سارق الليلة أهل الدار والخطاب للأمراء والحكام، والضمير في قوله { بَيْنَهُمَا } للزوجين لأنه قد تقدم ذكر ما يدل عليهما، وهو ذكر الرجال والنساء { فَٱبْعَثُواْ } إلى الزوجين { حُكْمًا } يحكم بينهما ممن يصلح لذلك عقلاً وديناً وإنصافاً، وإنما نص الله سبحانه على أن الحكمين يكونان من أهل الزوجين لأنهما أقعد بمعرفة أحوالهما، وإذا لم يوجد من أهل الزوجين من يصلح للحكم بينهما كان الحكمان من غيرهم، وهذا إذا أشكل أمرهما، ولم يتبين من هو المسيء منهما فأما إذا عرف المسيء، فإنه يؤخذ لصاحبه الحق منه، وعلى الحكمين أن يسعيا في إصلاح ذات البين جهدهما، فإن قدرا على ذلك عملا عليه، وإن أعياهما إصلاح حالهما، ورأيا التفريق بينهما جاز لهما ذلك من دون أمر من الحاكم في البلد، ولا توكيل بالفرقة بين الزوجين. وبه قال مالك، والأوزاعي، وإسحاق، وهو مرويّ، عن عثمان، وعليّ، وابن عباس، والشعبي، والنخعي، والشافعي، وحكاه ابن كثير عن الجمهور، قالوا لأن الله قال { فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا } وهذا نصّ من الله سبحانه أنهما قاضيان لا وكيلان، ولا شاهدان. وقال الكوفيون، وعطاء، وابن زيد، والحسن، وهو أحد قولي الشافعي إن التفريق هو إلى الإمام، أو الحاكم في البلد لا إليهما، ما لم يوكلهما الزوجان، أو يأمرهما الإمام والحاكم لأنهما رسولان شاهدان، فليس إليهما التفريق، ويرشد إلى هذا قوله { إِن يُرِيدَا } أي الحكمان { إِصْلَـٰحاً } بين الزوجين { يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } لاقتصاره على ذكر الإصلاح دون التفريق. ومعنى { إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } أي يوقع الموافقة بين الزوجين حتى يعودا إلى الألفة وحسن العشرة. ومعنى الإرادة خلوص نيتهما لصلاح الحال بين الزوجين، وقيل إن الضمير في قوله { يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } للحكمين، كما في قوله { إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً } أي يوفق بين الحكمين في اتحاد كلمتهما، وحصول مقصودهما، وقيل كلا الضميرين للزوجين، أي إن يريدا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق، وإذا اختلف الحكمان لم ينفذ حكمهما، ولا يلزم قبول قولهما بلا خلاف. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } قال هذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما أمر الله أن تبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل، ورجلاً مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا امرأته عنه، وقسروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قسروها على زوجها، ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا، فرضي أحد الزوجين، وكره الآخر ذلك، ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي { إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً } قال هما الحكمان { يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } وكذلك كل مصلح يوفقه للحق والصواب.

السابقالتالي
2