Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } * { وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ } * { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ } * { قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } * { قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ } * { وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ }

لما ذكر سبحانه النعم التي أنعم بها على عباده، وبيّن لهم من بديع صنعه، وعجيب فعله ما يوجب على كل عاقل أن يؤمن به عقبه بقوله { إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ } أي غير محتاج إليكم، ولا إلى إيمانكم، ولا إلى عبادتكم له فإنه الغنيّ المطلق، ومع كون كفر الكافر لا يضرّه كما أنه لا ينفعه إيمان المؤمن، فهو أيضاً { لاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ } أي لا يرضى لأحد من عباده الكفر، ولا يحبه، ولا يأمر به، ومثل هذه الآية قولهإِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ } إبراهيم 8، ومثلها ما ثبت في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم " يا عبادي لو أن أوّلكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا على قلب أفجر رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً " وقد اختلف المفسرون في هذه الآية هل هي على عمومها، وإن الكفر غير مرضيّ لله سبحانه على كل حال كما هو الظاهر، أو هي خاصة؟، والمعنى لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وقد ذهب إلى التخصيص حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه كما سيأتي بيانه آخر البحث، وتابعه على ذلك عكرمة، والسدّي، وغيرهما. ثم اختلفوا في الآية اختلافاً آخر. فقال قوم إنه يريد كفر الكافر، ولا يرضاه، وقال آخرون إنه لا يريده، ولا يرضاه، والكلام في تحقيق مثل هذا يطول جداً. وقد استدلّ القائلون بتخصيص هذه الآية، والمثبتون للإرادة مع عدم الرضا بما ثبت في آيات كثيرة من الكتاب العزيز أنه سبحانهيُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } النحل93وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } الإنسان 30 ، ونحو هذا مما يؤدي معناه كثير في الكتاب العزيز. ثم لما ذكر سبحانه أنه لا يرضى لعباده الكفر بيّن أنه يرضى لهم الشكر، فقال { وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ } أي يرض لكم الشكر المدلول عليه بقوله، وإن تشكروا، ويثبكم عليه، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر لأنه سبب سعادتهم في الدنيا، والآخرة كما قال سبحانهلَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ } إبراهيم 7 قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وشيبة، وهبير عن عاصم بإسكان الهاء من يرضه، وأشبع الضمة على الهاء ابن ذكوان، وابن كثير، والكسائي، وابن محيصن، وورش عن نافع، واختلس الباقون. { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } أي لا تحمل نفس حاملة للوزر حمل نفس أخرى، وقد تقدّم تفسير هذه الآية مستوفى { ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ } يوم القيامة { فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير، وشر، وفيه تهديد شديد { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي بما تضمره القلوب، وتستره، فكيف بما تظهره، وتبديه. { وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ } أيّ ضر كان من مرض، أو فقر، أو خوف { دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ } أي راجعاً إليه مستغيثاً به في دفع ما نزل به تاركاً لما كان يدعوه، ويستغيث به من ميت، أو حيّ، أو صنم، أو غير ذلك { ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ } أي أعطاه، وملكه، يقال خوّله الشيء، أي ملكه إياه، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد

السابقالتالي
2 3 4 5