Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ } * { أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ } * { أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ } * { وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } * { أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ } * { مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } * { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } * { أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ } * { فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } * { سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } * { إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } * { فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } * { مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ } * { إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } * { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } * { وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ } * { وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ } * { وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ } * { لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ } * { لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } * { فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } * { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ } * { إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ } * { وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ } * { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ } * { وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } * { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } * { فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ } * { وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ } * { وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } * { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } * { وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }

لما كانت قريش، وقبائل من العرب يزعمون أن الملائكة بنات الله أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم باستفتائهم على طريقة التقريع، والتوبيخ، فقال { فَٱسْتَفْتِهِمْ } يا محمد، أي استخبرهم { أَلِرَبّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ } أي كيف يجعلون لله، على تقدير صدق ما زعموه من الكذب أدنى الجنسين، وأوضعهما، وهو الإناث، ولهم أعلاهما، وأرفعهما، وهم الذكور، وهل هذا إلا حيف في القسمة لضعف عقولهم، وسوء إدراكهم؟ ومثله قولهأَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ } النجم 21، 22 ثم زاد في توبيخهم، وتقريعهم. فقال { أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِنَـٰثاً وَهُمْ شَـٰهِدُونَ } فأضرب عن الكلام الأوّل إلى ما هو أشدّ منه في التبكيت، والتهكم بهم، أي كيف جعلوهم إناثاً، وهم لم يحضروا عند خلقنا لهم، وهذا كقولهوَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ } الزخرف 19 فبيّن سبحانه أن مثل ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة، ولم يشهدوا، ولا دلّ دليل على قولهم من السمع، ولا هو مما يدرك بالعقل حتى ينسبوا إدراكه إلى عقولهم. ثم أخبر سبحانه عن كذبهم، فقال { أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } فبيّن سبحانه أن قولهم هذا هو من الإفك، والافتراء من دون دليل، ولا شبهة دليل، فإنه لم يلد، ولم يولد. قرأ الجمهور { ولد الله } فعلاً ماضياً مسنداً إلى الله. وقرىء بإضافة ولد إلى الله على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي يقولون الملائكة ولد الله، والولد بمعنى مفعول يستوي فيه المفرد، والمثنى، والمجموع، والمذكر، والمؤنث. ثم كرر سبحانه تقريعهم، وتوبيخهم، فقال { أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ } قرأ الجمهور بفتح الهمزة على أنها للاستفهام الإنكاري، وقد حذف معها همزة الوصل استغناء به عنها. وقرأ نافع في رواية عنه، وأبو جعفر، وشيبة، والأعمش بهمزة وصل تثبت ابتداء، وتسقط درجاً، ويكون الاستفهام منوياً قاله الفراء. وحذف حرفه للعلم به من المقام، أو على أن اصطفى، وما بعده بدل من الجملة المحكية بالقول. وعلى تقدير عدم الاستفهام، والبدل. فقد حكى جماعة من المحققين منهم الفراء أن التوبيخ يكون باستفهام، وبغير استفهام كما في قولهأَذْهَبْتُمْ طَيّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا } الأحقاف 20، وقيل هو على إضمار القول { مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } جملتان استفهاميتان ليس لأحدهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب استفهمهم أوّلاً عما استقرّ لهم، وثبت استفهام بإنكار، وثانياً استفهام تعجب من هذا الحكم الذي حكموا به، والمعنى أيّ شيء ثبت لكم كيف تحكمون لله بالبنات، وهم القسم الذي تكرهونه، ولكم بالبنين، وهم القسم الذي تحبونه { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي تتذكرون، فحذفت إحدى التاءين، والمعنى ألا تعتبرون، وتتفكرون، فتتذكرون بطلان قولكم { أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌ مُّبِينٌ } أي حجة واضحة ظاهرة على هذا الذي تقولونه، وهو إضراب عن توبيخ إلى توبيخ، وانتقال من تقريع إلى تقريع.

السابقالتالي
2 3 4 5 6