Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ } * { وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ } * { وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ } * { وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } * { أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } * { وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } * { بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } * { حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } * { لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ } * { قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ } * { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ }

لما نفي سبحانه الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبع ذلك بذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع الأولى قوله { إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ } الإشفاق الخوف، تقول أنا مشفق من هذا الأمر، أي خائف. قيل الإشفاق هو الخشية، فظاهر ما في الآية التكرار. وأجيب بحمل الخشية على العذاب، أي من عذاب ربهم خائفون، وبه قال الكلبي ومقاتل. وأجيب أيضاً بحمل الإشفاق على ما هو أثر له وهو الدوام على الطاعة، أي الذين هم من خشية ربهم دائمون على طاعته. وأجيب أيضاً بأن الإشفاق كمال الخوف فلا تكرار. وقيل هو تكرار للتأكيد. والصفة الثانية قوله { وَٱلَّذِينَ هُم بِـئَايَـٰتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ } قيل المراد بالآيات هي التنزيلية. وقيل هي التكوينية. وقيل مجموعهما. قيل وليس المراد بالإيمان بها هو التصديق بوجودها فقط. فإن ذلك معلوم بالضرورة ولا يوجب المدح، بل المراد التصديق بكونها دلائل وأن مدلولها حق. والصفة الثالثة قوله { وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ } أي يتركون الشرك تركاً كلياً ظاهراً وباطناً. والصفة الرابعة قوله { وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبّهِمْ رٰجِعُونَ } أي يعطون ما أعطوا وقلوبهم خائفة من أجل ذلك الإعطاء يظنون أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله، وجملة { وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } في محل نصب على الحال، أي والحال أن قلوبهم خائفة أشدّ الخوف. قال الزجاج قلوبهم خائفة لأنهم إلى ربهم راجعون، وسبب الوجل هو أن يخافوا أن لا يقبل منهم ذلك على الوجه المطلوب، لا مجرّد رجوعهم إليه سبحانه. وقيل المعنى أن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والحساب وعلم أن المجازي والمحاسب هو الربّ الذي لا تخفى عليه خافية لم يخل من وجل. وقرأت عائشة وابن عباس والنخعي " يَأْتُونَ مَا أَتَواْ " مقصوراً من الإتيان. قال الفراء ولو صحت هذه القراءة لم تخالف قراءة الجماعة لأن من العرب من يلزم في الهمز الألف في كل الحالات. قال النحاس ومعنى هذه القراءة يعملون ما عملوا. والإشارة بقوله { أُوْلَـٰئِكَ } إلى المتصفين بهذه الصفات، ومعنى { يُسَـٰرِعُونَ فِي ٱلْخَيْرٰتِ } يبادرون بها. قال الفرّاء والزجاج ينافسون فيها، وقيل يسابقون، وقرىء " يسرعون ". { وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ } اللام للتقوية، والمعنى هم سابقون إياها. وقيل اللام بمعنى إلى، كما في قولهبِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } الزلزلة 5. أي أوحى إليها، وأنشد سيبويه قول الشاعر
تجانف عن أهل اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائكا   
أي إلى سوائكا. وقيل المفعول محذوف، والتقدير وهم سابقون الناس لأجلها. ثم لما انجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر لهما حكمين الأوّل قوله { وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } الوسع هو الطاقة، وقد تقدّم بيان هذا في آخر سورة البقرة.

السابقالتالي
2 3 4 5