Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ } * { وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } * { ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } * { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } * { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } * { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَٰتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ }

عاد سبحانه إلى بيان أمر التكاليف مع الزجر لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الأديان عن منازعته فقال { لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً } أي لكلّ قرن من القرون الماضية وضعنا شريعة خاصة، بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى، وجملة { وَهُمْ نَاسِكُوهُ } صفة لـ { منسكاً } ، والضمير لكل أمة، أي تلك الأمة هي العاملة به لا غيرها، فكانت التوراة منسك الأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى، والإنجيل منسك الأمة التي من مبعث عيسى إلى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. والقرآن منسك المسلمين، والمنسك مصدر لا اسم مكان كما يدلّ عليه { هم ناسكوه } ، ولم يقل ناسكون فيه. وقيل المنسك موضع أداء الطاعة، وقيل هو الذبائح، ولا وجه للتخصيص، ولا اعتبار بخصوص السبب، والفاء في قوله { فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ } لترتيب النهي على ما قبله، والضمير راجع إلى الأمم الباقية آثارهم، أي قد عينا لكل أمة شريعة، ومن جملة الأمم هذه الأمة المحمدية، وذلك موجب لعدم منازعة من بقي منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومستلزم لطاعتهم إياه في أمر الدين، والنهي إما على حقيقته، أو كناية عن نهيه عن الالتفات إلى نزاعهم له. قال الزجاج إنه نهي له صلى الله عليه وسلم عن منازعتهم، أي لا تنازعهم أنت، كما تقول لا يخاصمك فلان أي لا تخاصمه، وكما تقول لا يضاربنك فلان، أي لا تضاربه، وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمناً، ولا يجوز لا يضربنك فلان وأنت تريد لا تضربه. وحكي عن الزجاج أنه قال في معنى الآية فلا ينازعنك، أي فلا يجادلنك. قال ودلّ على هذا { وَإِن جَـٰدَلُوكَ } وقرأ أبو مجلز " فلا ينزعنك في الأمر " أي لا يستخفنك ولا يغلبنك على دينك. وقرأ الباقون { ينازعنك } من المنازعة { وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبّكَ } أي وادع هؤلاء المنازعين، أو ادع الناس على العموم إلى دين الله وتوحيده والإيمان به { إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ } أي طريق مستقيم لا اعوجاج فيه. { وَإِن جَـٰدَلُوكَ } أي وإن أبوا إلا الجدال بعد البيان لهم وظهور الحجة عليهم { فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي فكل أمرهم إلى الله وقل لهم هذا القول المشتمل على الوعيد { ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } أي بين المسلمين والكافرين { يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين فيتبين حينئذٍ الحق من الباطل، وفي هذه الآية تعليم لهذه الأمة بما ينبغي لهم أن يجيبوا به من أراد الجدال بالباطل وقيل إنها منسوخة بآية السيف. وجملة { أَلَمْ تَعْلَمْ } مستأنفة مقرّرة لمضمون ما قبلها.

السابقالتالي
2 3