Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ } * { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ }

{ فِى رَيْبٍ } أي شك { مما نزلنا على عبدنا } أي القرآن أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم. والعبد مأخوذ من التعبد، وهو التذلل. والتنزيل التدريج، والتنجيم. وقوله { فَاتُواْ } الفاء جواب الشرط، وهو أمر معناه التعجيز. لما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية، ويبطل الشرك، عقبه بما هو الحجة على إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وما يدفع الشبهة في كون القرآن معجزة، فتحدّاهم بأن يأتوا بسورة من سوره. والسورة الطائفة من القرآن المسماة باسم خاصّ، سميت بذلك، لأنها مشتملة على كلماتها كاشتمال سور البلد عليها. و«من» في قوله { مّن مّثْلِهِ } زائدة لقوله { فأتوا بسورة مثله }. والضمير في { مثله } عائد على القرآن عند جمهور أهل العلم. وقيل عائد على التوراة والإنجيل، لأن المعنى فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تصدّق ما فيه. وقيل يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى من بشر مثل محمد أي لا يكتب، ولا يقرأ. والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو المعاون، والمراد هنا الآلهة. ومعنى { دُونِ } أدنى مكان من الشيء، واتسع فيه حتى استعمل في تخطي الشيء إلى شيء آخر، ومنه ما في هذه الآية، وكذلك قوله تعالىلا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } آل عمران 28 وله معان أخر، منها التقصير عن الغاية، والحقارة، يقال هذا الشيء دون أي حقير، ومنه
إذا ما علا المرءُ رامَ العُلا وَيقنعُ بالدون من كان دُونا   
والقرب يقال هذا دون ذاك أي أقرب منه، ويكون إغراء، تقول دونك زيداً أي خذه من أدنى مكان { مِن دُونِ ٱللَّهِ } متعلق بادعوا أي ادعوا الذين يشهدون لكم من دون الله إن كنتم صادقين فيما قلتم، من أنكم تقدرون على المعارضة، وهذا تعجيز لهم، وبيان لانقطاعهم. والصدق خلاف الكذب، وهو مطابقة الخبر للواقع، أو للاعتقاد أولهما على الخلاف المعروف في علم المعاني { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } يعني فيما مضى { وَلَن تَفْعَلُواْ } أي تطيقوا ذلك، فيما يأتي، وتبين لكم عجزكم عن المعارضة { فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ } بالإيمان بالله، وكتبه، ورسله، والقيام بفرائضه، واجتناب مناهيه، وعبر عن الإتيان بالفعل، لأن الإتيان فعل من الأفعال لقصد الاختصار، وجملة { لن تفعلوا } لا محل لها من الإعراب، لأنها اعتراضية، و " لن " للنفي المؤكد لما دخلت عليه، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها لأنها لم تقع المعارضة من أحد من الكفرة في أيام النبوّة، وفيما بعدها، وإلى الآن. والوَقُود بالفتح الحطب، وبالضم التوقد أي المصدر، وقد جاء فيه الفتح. والمراد بالحجارة الأصنام التي كانوا يعبدونها لأنهم قرنوا أنفسهم بها في الدنيا، فجعلت وقوداً للنار معهم.

السابقالتالي
2 3