Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } * { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } * { كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } * { فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ }

قوله { وَلِكُلّ } بحذف المضاف إليه لدلالة التنوين عليه أي لكل أهل دين وجهة، والوجهة فعلة من المواجهة، وفي معناها الجهة، والوجه، والمراد القبلة أي أنهم لا يتبعون قبلتك، وأنت لا تتبع قبلتهم { وَلِكُلّ وِجْهَةٌ } إما بحق، وإما بباطل، والضمير في قوله { هُوَ مُوَلّيهَا } راجع إلى لفظ كل. والهاء في قوله { مُوَلّيهَا } هي المفعول الأوّل، والمفعول الثاني محذوف أي موليها وجهه. والمعنى أن لكل صاحب ملة قبلة صاحب القبلة موليها وجهه، أو لكل منكم يا أمة محمد قبلة يصلي إليها من شرق، أو غرب، أو جنوب، أو شمال إذا كان الخطاب للمسلمين، ويحتمل أن يكون الضمير لله سبحانه، وإن لم يجر له ذكر، إذ هو معلوم أن الله فاعل ذلك، والمعنى أن لكل صاحب ملة قبلة الله موليها إياه. وحكى الطبري أن قوماً قرءوا «ولكل وجهة» بالإضافة، ونسب هذه القراءة أبو عمرو الداني إلى ابن عباس. قال في الكشاف والمعنى وكل وجهة الله موليها، فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضاربه. انتهى. وقرأ ابن عباس، وابن عامر «مولاها» على ما لم يسمّ فاعله. قال الزجاج والضمير على هذه القراءة لواحد أي ولكل واحد من الناس قبلة الواحد مولاها أي مصروف إليها. وقوله { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } أي إلى الخيرات على الحذف، والإيصال أي بادروا إلى ما أمركم الله من استقبال البيت الحرام كما يفيده السياق، وإن كان ظاهره الأمر بالاستباق إلى كل ما يصدق عليه أنه خير كما يفيده العموم المستفاد من تعريف الخيرات، والمراد من الاستباق إلى الاستقبال الاستباق إلى الصلاة في أول وقتها. ومعنى قوله { أَيْنَمَا تَكُونُواْ * يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ } أي في أيّ جهة من الجهات المختلفة تكونوا يأت بكم الله للجزاء يوم القيامة، أو يجمعكم جميعاً، ويجعل صلاتكم في الجهات المختلفة كأنها إلى جهة واحدة، وقوله { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } كرّر سبحانه هذا لتأكيد الأمر باستقبال الكعبة، وللاهتمام به، لأن موقع التحويل كان معتنى به في نفوسهم، وقيل وجه التكرير أن النسخ من مظانّ الفتنة، ومواطن الشبهة، فإذا سمعوه مرّة بعد أخرى ثبتوا، واندفع ما يختلج في صدورهم، وقيل إنه كرّر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه سبحانه ذكر للتحويل ثلاث علل الأول ابتغاء مرضاته، والثانية جرى العادة الإلهية أن يولى كل أهل ملة، وصاحب دعوة جهة يستقلّ بها، والثالثة دفع حجج المخالفين، فقرن بكل علة معلولها، وقيل أراد بالأول ولّ وجهك شطر الكعبة إذا صليت تلقاءها، ثم قال وحيثما كنتم معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة، وغيرها، فولوا وجوهكم شطره، ثم قال { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } يعني وجوب الاستقبال في الأسفار، فكان هذا أمر بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواطن من نواحي الأرض.

السابقالتالي
2 3 4