Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } * { وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ } * { ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } * { ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ }

قوله { قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ } قال القرطبي في تفسيره قال العلماء هذه الآية مقدّمة في النزول على قوله { سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاء } ، ومعنى { قَدْ } تكثير الرؤية، كما قاله صاحب الكشاف، ومعنى { تَقَلُّبَ وَجْهِكَ } تحوّل وجهك إلى السماء، قاله قطرب. وقال الزجاج تقلب عينيك في النظر إلى السماء، والمعنى متقارب. وقوله { فَلَنُوَلّيَنَّكَ } هو إما من الولاية، أي فلنعطينك ذلك، أو من التولي، أي فلنجعلنك متولياً إلى جهتها، وهذا أولى لقوله { فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ }. والمراد بالشطر هنا الناحية والجهة، وهو منتصب على الظرفية ومنه قول الشاعر
أقول لأم زِنْبَاعٍ أقيِمي صدُورَ العِيسِ شَطْرَ بني تَميم   
p>>ومنه أيضاً قول الآخر
ألا مَنْ مُبْلغ عمراً رَسُولا وَمَا تُغْنِي الرِسَالةُ شَطْرَ عمرو   
وقد يراد بالشطر النصف، ومنه «الوضوء شطر الإيمان»، ومنه قول عنترة
إني امرؤ مِنْ خَيرِ عَبْس منصباً شَطِري وَأحْمِي سَائِري بِالمْنصَلِ   
p>>قال ذلك لأن أباه من سادات عبس، وأمّه أمَة، ويرد معنى البعض مطلقاً. ولا خلاف أن المراد بشطر المسجد هنا الكعبة، وقد حكى القرطبي الإجماع على أن استقبال عين الكعبة فرض على المعاين، وعلى أن غير المعاين يستقبل الناحية، ويستدل على ذلك بما يمكنه الاستدلال به، والضمير في قوله { أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } راجع إلى ما يدل عليه الكلام من التحويل إلى جهة الكعبة، وعلم أهل الكتاب بذلك إما لكونه قد بلغهم عن أنبيائهم، أو وجدوا في كتب الله المنزلة عليهم أن هذا النبيّ يستقبل الكعبة، أو لكونهم قد علموا من أنبيائهم، أو كتبهم أن النسخ سيكون في هذه الشريعة، فيكون ذلك موجباً عليهم الدخول في الإسلام، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم. قوله { وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } قد تقدّم معناه. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي " تعملون " بالمثناة الفوقية على مخاطبة أهل الكتاب، أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ الباقون بالياء التحتية. وقوله { وَلَئِنْ أَتَيْتَ } هذه اللام هي موطئة للقسم، والتقدير والله لئن أتيت. وقوله { مَّا تَبِعُواْ } جواب القسم المقدّر. قال الأخفش والفراء أجيب " لئن " بجواب و " لو " لأن المعنى ولو أتيت، ومثله قوله تعالىوَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ } الروم 51 أي ولو أرسلنا. وإنما قالا هكذا لأن " لئن " هي ضد " لو " ، وذلك أن " لو " تطلب في جوابها المضيّ، والوقوع، و " لئن " تطلب في جوابها الاستقبال. وقال سيبويه إن معنى " لئن " يخالف معنى لو، فلا تدخل إحداهما على الأخرى، فالمعنى ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك.

السابقالتالي
2 3 4