Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } * { يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } * { فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً } * { قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً } * { وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً } * { وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً } * { وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً }

لما اطمأنت مريم عليها السلام بما رأت من الآيات وفرغت من نفاسها { أَتَتْ بِهِ } أي بعيسى، وجملة { تَحْمِلُهُ } في محل نصب على الحال، وكان إتيانها إليهم من المكان القصيّ التي انتبذت فيه، فلما رأوا الولد معها حزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين { فَقَالُواْ } منكرين لذلك { يا مريم لَقَدْ جِئْتَ } أي فعلت { شَيْئاً فَرِيّاً } قال أبو عبيدة الفرّي العجيب النادر، وكذا قال الأخفش. والفرّي القطع، كأنه مما يخرق العادة، أو يقطع بكونه عجيباً نادراً. وقال قطرب الفرّي الجديد من الأسقية، أي جئت بأمر بديع جديد لم تسبقي إليه. وقال سعيد بن مسعدة الفرّي المختلق المفتعل، يقال فريت وأفريت بمعنى واحد، والولد من الزنا كالشيء المفترى، قال تعالىوَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } الممتحنة 12 وقال مجاهد الفرّي العظيم. { يا أخت هَـٰرُونَ }. قد وقع الخلاف في معنى هذه الأخوّة، وفي هارون المذكور من هو؟ فقيل هو هارون أخو موسى، والمعنى أن من كانت نظنها مثل هارون في العبادة كيف تأتي بمثل هذا وقيل كانت مريم من ولد هارون أخي موسى، فقيل لها يا أخت هارون، كما يقال لمن كان من العرب يا أخا العرب وقيل كان لها أخ من أبيها اسمه هارون وقيل هارون هذا رجل صالح في ذلك الوقت وقيل بل كان في ذلك الوقت رجل فاجر اسمه هارون، فنسبوها إليه على وجهة التعيير والتوبيخ، حكاه ابن جرير ولم يسمّ قائله وهو ضعيف { مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } هذا فيه تقريره لما تقدّم من التعيير والتوبيخ، وتنبيه على أن الفاحشة من ذرّية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون. { فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ } أي إلى عيسى، وإنما اكتفت بالإشارة ولم تأمره بالنطق، لأنها نذرت للرحمٰن صوماً عن الكلام كما تقدّم، هذا على تقدير أنها كانت إذ ذاك في أيام نذرها، وعلى تقدير أنها قد خرجت من أيام نذرها، فيمكن أن يقال إن اقتصارها على الإشارة للمبالغة في إظهار الآية العظيمة، وأن هذا المولود يفهم الإشارة ويقدر على العبارة { قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً } هذا الاستفهام للإنكار والتعجب من إشارتها إلى ذلك المولود بأن يكلمهم. قال أبو عبيدة في الكلام حشو زائد. والمعنى كيف نكلم صبياً في المهد كقول الشاعر
وجيران لنا كانوا كرام   
وقال الزجاج الأجود أن تكون من في معنى الشرط والجزاء، والمعنى من يكون في المهد صبياً فكيف نكلمه. ورجحه ابن الأنباري وقال لا يجوز أن يقال إن { كان } زائدة وقد نصبت { صبياً } ، ويجاب عنه بأن القائل بزيادتها يجعل الناصب له الفعل، وهو { نكلم } كما سبق تقديره.

السابقالتالي
2 3