Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } * { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } * { قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً } * { قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً } * { آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } * { فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً } * { قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً }

ثم حكى سبحانه سفر ذي القرنين إلى ناحية أخرى، وهي ناحية القطر الشمالي بعد تهيئة أسبابه فقال { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } أي طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، وابن محيصن، ويحيـى اليزيدي، وأبو زيد، عن المفضل بفتح السين. وقرأ الباقون بضمها. قال أبو عبيدة وابن الأنباري وأبو عمرو بن العلاء السد إن كان بخلق الله سبحانه فهو بضم السين حتى يكون بمعنى مفعول، أي هو مما فعله الله وخلقه، وإن كان من عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً. وقال ابن الأعرابي كل ما قابلك فسدّ ما وراءه فهو سدّ وسد نحو الضعف والضعف، والفقر والفقر، والسدّان هما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان، وانتصاب " بين " على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قولهلَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } الأنعام 94. وقيل موضع بين السدّين هو منقطع أرض الترك مما يلي المشرق لا جبلا أرمينية وأذربيجان. وحكى ابن جرير في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً من ناحية الجزر فشاهده، ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع، و { وَجَدَ مِن دُونِهِمَا } أي من ورائهما مجازاً عنهما، وقيل أمامهما { قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } قرأ حمزة والكسائي يفقهون بضم الياء وكسر القاف من أفقه إذا أبان، أي لا يبينون لغيرهم كلاماً، وقرأ الباقون بفتح الياء والقاف، أي لا يفهمون كلام غيرهم، والقراءتان صحيحتان، ومعناهما لا يفهمون عن غيرهم ولا يفهمون غيرهم، لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم. { قَالُواْ } أي هؤلاء القوم الذين لا يفهمون قولاً، قيل إن فهم ذي القرنين لكلامهم من جملة الأسباب التي أعطاه الله، وقيل إنهم قالوا ذلك لترجمانهم، فقال لذي القرنين بما قالوا له { يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ٱلأرْضِ } يأجوج ومأجوج اسمان عجميان بدليل منع صرفهما، وبه قال الأكثر. وقيل مشتقان من أجّ الظليم في مشيه إذا هرول، وتأججت النار إذا تلهبت، قرأهما الجمهور بغير همز، وقرأ عاصم بالهمز. قال ابن الأنباري وجه همزهما وإن لم يعرف له أصل أن العرب قد همزت حروفاً لا يعرف للهمز فيها أصل كقولهم كبأث ورثأت واستشأث الريح. قال أبو علي يجوز أن يكونا عربيين، فمن همز فهو على وزن يفعول مثل يربوع، ومن لم يهمز أمكن أن يكون خفف الهمزة فقبلها ألفاً مثل رأس. وأما مأجوج، فهو مفعول من أجّ، والكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق. قال وترك الصرف فيهما على تقدير كونهما عربيين للتأنيث والتعريف كأنه اسم للقبيلة. واختلف في نسبهم فقيل هم من ولد يافث بن نوح، وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجبل والديلم.

السابقالتالي
2 3 4 5