Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


{ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } * { فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } * { وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ } * { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ } * { إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } * { وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } * { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ } * { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }

قوله { هَلْ يَنظُرُونَ } الآية هذا جواب شبهة أخرى لمنكري النبوّة، فإنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوّة فقال { هل ينظرون } في تصديق نبوّتك { إِلا أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } شاهدين بذلك. ويحتمل أن يقال إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأوّلين أو عدهم الله بقوله { هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } لقبض أرواحهم { أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ } أي عذابه في الدنيا المستأصل لهم، أو المراد بأمر الله القيامة. وقرأ الأعمش، وابن وثاب، وحمزة، والكسائي، وخلف " إلا أن يأتيهم الملائكة " بالياء التحتية وقرأ الباقون بالمثناة الفوقية. والمراد بكونهم { ينظرون } أي ينتظرون إتيان الملائكة أو إتيان أمر الله على التفسير الآخر أنهم قد فعلوا فعل من وجب عليه العذاب، وصار منتظراً له، وليس المراد أنهم ينتظرون ذلك حقيقة، فإنهم لا يؤمنون بذلك ولا يصدّقونه { كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي مثل فعل هؤلاء من الإصرار على الكفر والتكذيب والاستهزاء فعل الذين خلوا من قبلهم من طوائف الكفار، فأتاهم أمر الله فهلكوا { وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ } بتدميرهم بالعذاب، فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم { وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بما ارتكبوه من القبائح. وفيه أن ظلمهم مقصور عليهم باعتبار ما إليه يئول. وجملة { فَأَصَابَهُمْ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } معطوفة على { فعل الذين من قبلهم } ، وما بينهما اعتراض. وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا وما ظلمهم الله، والمعنى فأصابهم جزاء سيئات أعمالهم، أو جزاء أعمالهم السيئة { وَحَاقَ بِهِم } أي نزل بهم على وجه الإحاطة { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } أي العذاب الذي كانوا به يستهزئون، أو عقاب استهزائهم. { وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } هذا نوع آخر من كفرهم الذي حكاه الله عنهم. والمراد بالذين أشركوا هنا. أهل مكة { لَوْ شَآء ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } أي لو شاء عدم عبادتنا لشيء غيره ما عبدنا ذلك { نَّحْنُ وَلا ءابَاؤُنَا } الذين كانوا على ما نحن عليه الآن من دين الكفر والشرك بالله. قال الزجاج إنهم قالوا هذا على جهة الاستهزاء، ولو قالوه عن اعتقاد لكانوا مؤمنين. وقد مضى الكلام على مثل هذا في سورة الأنعام { وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْء } من السوائب والبحائر ونحوهما، ومقصودهم بهذا القول المعلق بالمشيئة الطعن في الرسالة، أي لو كان ما قاله الرسول حقاً من المنع من عبادة غير الله، والمنع من تحريم ما لم يحرّمه الله حاكياً ذلك عن الله لم يقع منا ما يخالف ما أراده منا فإنه قد شاء ذلك، وما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن، فلما وقع منا العبادة لغيره وتحريم ما لم يحرمه كان ذلك دليلاً على أن ذلك هو المطابق لمراده والموافق لمشيئته، مع أنهم في الحقيقة لا يعترفون بذلك ولا يقرّون به لكنهم قصدوا ما ذكرنا من الطعن على الرسل { كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من طوائف الكفر، فإنهم أشركوا بالله وحرّموا ما لم يحرّمه، وجادلوا رسله بالباطل واستهزءوا بهم، ثم قال { فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ } الذين يرسلهم الله إلى عباده بما شرعه لهم من شرائعه التي رأسها توحيده، وترك الشرك به { إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ } إلى من أرسلوا إليهم بما أمروا بتبليغه بلاغاً واضحاً يفهمه المرسل إليهم ولا يلتبس عليهم.

السابقالتالي
2 3 4