Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

يقول تعالى { إِلاَّ تَنصُرُوهُ } أي تنصروا رسوله، فإن الله ناصره ومؤيده، وكافيه وحافظه كما تولى نصره { إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ } أي عام الهجرة، لما هم المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه، فخرج منهم هارباً بصحبة صديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم، ثم يسيروا نحو المدينة، فجعل أبو بكر رضي الله عنه يجزع أن يطلع عليهم أحد، فيخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أذى، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يسكنه ويثبته ويقول " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما " كما قال الإمام أحمد حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا ثابت عن أنس أن أبا بكر حدثه قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، قال فقال " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما " أخرجاه في الصحيحين، ولهذا قال تعالى { فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } أي تأييده ونصره عليه، أي على الرسول صلى الله عليه وسلم في أشهر القولين، وقيل على أبي بكر، وروي عن ابن عباس وغيره، قالوا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تزل معه سكينة، وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال، ولهذا قال { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } أي الملائكة، { وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا } قال ابن عباس يعني بكلمة الذين كفروا الشرك، وكلمة الله هي لا إله إلا الله. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " وقوله { وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } أي في انتقامه وانتصاره، منيع الجناب، لا يضام من لاذ ببابه، واحتمى بالتمسك بخطابه { حَكِيمٌ } في أقواله وأفعاله.