Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } * { يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ }

قال السدي الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، وهو كما قال فإن الأحبار هم علماء اليهود كما قال تعالىلَوْلاَ يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ } المائدة 63 والرهبان عباد النصارى، والقسيسون علماؤهم كما قال تعالىذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً } المائدة 82 والمقصود التحذير من علماء السوء وعباد الضلال كما قال سفيان بن عيينة من فسد من علمائنا، كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا، كان فيه شبه من النصارى. وفي الحديث الصحيح " لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة " قالوا اليهود والنصارى؟ قال " فمن " ؟ وفي رواية فارس والروم؟ قال " فمن الناس إلا هؤلاء؟ " والحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم، ولهذا قال تعالى { لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين، ومناصبهم ورياستهم في الناس يأكلون أموالهم بذلك كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف، ولهم عندهم خَرْج وهدايا وضرائب تجيء إليهم، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم طمعاً منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات، فأطفأها الله بنور النبوة، وسلبهم إياها، وعوضهم الذل والصغار، وباؤوا بغضب من الله تعالى. وقوله تعالى { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس عن اتباع الحق، ويلبسون الحق بالباطل، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعونه إلى الخير، وليسوا كما يزعمون، بل هم دعاة إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون. وقوله { وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } هؤلاء هم القسم الثالث من رؤوس الناس فإن الناس عالة على العلماء وعلى العباد وعلى أرباب الأموال، فإذا فسدت أحوال هؤلاء، فسدت أحوال الناس كما قال ابن المبارك
وهَلْ أَفْسَدَ الدِّيْنَ إلا المُلوكُ وأحبارُ سوءٍ ورهبانُها   
وأما الكنز، فقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر هو المال الذي لا تؤدى زكاته، وروى الثوري وغيره عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال ما أُدِّي زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما كان ظاهراً لا تؤدى زكاته، فهو كنز، وقد روي هذا عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة موقوفاً ومرفوعاً، وقال عمر بن الخطاب نحوه أيما مال أديت زكاته، فليس بكنز، وإن كان مدفوناً في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته، فهو كنز يكوى به صاحبه، وإن كان على وجه الأرض، وروى البخاري من حديث الزهري عن خالد بن أسلم قال خرجنا مع عبد الله بن عمر فقال هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت، جعلها الله طهرة للأموال، وكذا قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك نسخها قوله تعالى

السابقالتالي
2 3 4 5 6