Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } * { ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ }

يخبر تعالى أنه لما أنذر إبليس { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرد، فقال { فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أي كما أغويتني، قال ابن عباس كما أضللتني، وقال غيره كما أهلكتني، لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على { صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أي طريق الحق، وسبيل النجاة، لأضلنهم عنها لئلا يعبدوك، ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي، وقال بعض النحاة الباء هنا قسمية كأنه يقول فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم، قال مجاهد صراطك المستقيم يعني الحق، وقال محمد بن سوقة عن عون بن عبد الله يعني طريق مكة، قال ابن جرير الصحيح أن الصراط المستقيم أعم من ذلك، قلت لما روى الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا أبو عقيل، يعني الثقفي عبد الله بن عقيل، حدثنا موسى بن المسيب، أخبرني سالم بن أبي الجعد، عن سبرة بن أبي الفاكه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ قال فعصاه وأسلم " قال " قعد له بطريق الهجرة، فقال أتهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول؟ فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النفس والمال، فقال تقاتل فتقتل، فتُنكَح المرأة، ويقسم المال؟ قال فعصاه وجاهد " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن قتل، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابة، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة " ، وقوله { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } الآية، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } أشككهم في آخرتهم { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } أرغبهم في دنياهم { وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ } أشبه عليهم أمر دينهم { وَعَن شَمَآئِلِهِمْ } أشهي لهم المعاصي، وقال ابن أبي طلحة في رواية والعوفي، كلاهما عن ابن عباس أما من بين أيديهم، فمن قبل دنياهم، وأما من خلفهم، فأمر آخرتهم، وأما عن أيمانهم، فمن قبل حسناتهم، وأما عن شمائلهم، فمن قبل سيئاتهم، وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، أتاهم من بين أيديهم، فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم من أمر الدنيا، فزينها لهم، ودعاهم إليها، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم، بطأهم عنها، وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي، ودعاهم إليها، وأمرهم بها، أتاك يا ابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله، وكذا روي عن إبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة والسدي وابن جريج، إلا أنهم قالوا من بين أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة.

2