Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } * { قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ } * { قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } * { قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ }

هذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة، فيقال سورة المائدة، وهي مما امتنّ الله به على عبده ورسوله عيسى لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزل الله آية باهرة وحجة قاطعة، وقد ذكر بعض الأئمة أن قصتها ليست مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم، فقوله تعالى { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } وهم أتباع عيسى عليه السلام { يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } هذه قراءة كثيرين، وقرأ آخرون { هل تستطيع ربك } أي هل تستطيع أن تسأل ربك { أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } والمائدة هي الخوان عليه الطعام، وذكر بعضهم أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم، فسألوه أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها، ويتقوون بها على العبادة { قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي فأجابهم المسيح عليه السلام قائلاً لهم اتقوا الله، ولا تسألوا هذا، فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين، { قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } أي نحن محتاجون إلى الأكل منها، { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } إذا شاهدنا نزولها رزقاً لنا من السماء، { وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا } أي ونزداد إيماناً بك، وعلماً برسالتك { وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } أي ونشهد أنها الآية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به. { قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا } قال السدي أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان الثوري يعني يوماً نصلي فيه. وقال قتادة أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم. وعن سلمان الفارسي عظة لنا ولمن بعدنا. وقيل كافية لأولنا وآخرنا { وَءَايَةً مِّنْكَ } أي دليلاً تنصبه على قدرتك على الأشياء، وعلى إجابتك لدعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك، { وَٱرْزُقْنَا } أي من عندك رزقاً هنيئاً بلا كلفة ولا تعب { وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } { قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } أي فمن كذب بها من أمتك يا عيسى، وعاندها، { فَإِنِّىۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي من عالمي زمانكم كقوله تعالىوَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ } غافر 46، وقولهإِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } النساء 145، وقد روى ابن جرير من طريق عوف الأعرابي عن أبي المغيرة القّواس، عن عبد الله ابن عمرو قال إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة ثلاثة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون.ذكر أخبار رويت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين قال أبو جعفر بن جرير حدثنا القاسم حدثنا الحسين، حدثني حجاج عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس أنه كان يحدث عن عيسى أنه قال لبني إسرائيل هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً، ثم تسألوه، فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا، ثم قالوا يا معلم الخير قلت لنا إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً، ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا حين نفرغ طعاماً، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال عيسى { ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس، كما أكل منها أولهم، كذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال كان ابن عباس يحدث، فذكر نحوه.

2 3 4 5 6