الرئيسية - التفاسير


* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }

يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي بالعدل، فلا يعدلوا عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه، وقوله { شُهَدَآءِ للَّهِ } كما قالوَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ } الطلاق 2 أي ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقاً خالية من التحريف والتبديل والكتمان، ولهذا قال { وَلَوْ عَلَىۤ أَنفُسِكُمْ } أي اشهد الحق، ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر، فقل الحق فيه، ولو عادت مضرته عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً من كل أمر يضيق عليه. وقوله { أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ } أي وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تراعهم فيها، بل اشهد بالحق، وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد. وقوله { إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا } أي لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما. وقوله { فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ } أي فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالىوَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُوا اللهَ } المائدة 8، ومن هذا القبيل قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه، وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا بهذا قامت السموات والأرض، وسيأتي الحديث مسنداً في سورة المائدة إن شاء الله تعالى. وقوله { وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } قال مجاهد وغير واحد من السلف تلووا، أي تحرفوا الشهادة وتغيروها، واللّيُّ هو التحريف، وتعمد الكذب، قال تعالىوَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ } آل عمران 78 الآية، والإعراض هو كتمان الشهادة وتركها، قال تعالىوَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ } البقرة 283 وقال النبي صلى الله عليه وسلم " خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها " ولهذا توعدهم الله بقوله { فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } أي وسيجازيكم بذلك.