Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } * { بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ }

هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء، وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له كما كانوا في تلبيتهم يقولون لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. فقال تعالى { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ } أي تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم { هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ } أي يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكاً له في ماله، فهو وهو فيه على السواء، { تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } أي تخافون أن يقاسموكم الأموال. قال أبو مجلز إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذاك، كذلك الله لا شريك له، والمعنى إن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟ وهذا كقوله تعالىوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } النحل 62 أي من البنات، حيث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، وجعلوها بنات الله، وقد كان أحدهم إذا بشر بالأنثى، ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون، أم يدسه في التراب؟ فهم يأنفون من البنات، وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم، فهذا أغلظ الكفر، وهكذا في هذا المقام، جعلوا له شركاء من عبيده وخلقه، وأحدهم يأبى غاية الإباء، ويأنف غاية الأنفة من ذلك، أن يكون عبده شريكه في ماله يساويه فيه، ولو شاء لقاسمه عليه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. قال الطبراني حدثنا محمود بن الفرج الأصفهاني، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدثنا حماد بن شعيب عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان يلبي أهل الشرك لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. فأنزل الله تعالى { هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ }؟ ولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى، ونزاهته بطريق الأولى والأحرى، قال تعالى { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ثم قال تعالى مبيناً أن المشركين إنما عبدوا غيره سفهاً من أنفسهم وجهلاً، { بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ } أي المشركون { أَهْوَآءَهُم } أي في عبادتهم الأنداد بغير علم، { فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ }؟ أي فلا أحد يهديهم إذا كتب الله ضلالهم، { وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ } أي ليس لهم من قدرة الله منقذ ولا مجير، ولا محيد لهم عنه لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.