Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } * { قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } * { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }

يقول تعالى مخبراً عن القوم الذين لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم، لاحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول أنهم لما جاءهم الحق من عنده على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قالوا على وجه التعنت والعناد والكفر والجهل والإلحاد { لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ } الآية، يعنون ــــ والله أعلم ــــ من الآيات الكثيرة مثل العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وتنقيص الزروع والثمار مما يضيق على أعداء الله، وكفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى إلى غير ذلك من الآيات الباهرة، والحجج القاهرة، التي أجراها الله تعالى على يدي موسى عليه السلام حجة وبرهاناً له على فرعون وملئه وبني إسرائيل، ومع هذا كله لم ينجع في فرعون وملئه، بل كفروا بموسى وأخيه هارون، كما قالوا لهماأَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } يونس 78 وقال تعالىفَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ } المؤمنون 48 ولهذا قال ههنا { أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ } أي أولم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة، { قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَـٰهَرَا } أي تعاونا، { إِنَّا بِكُلٍّ كَـٰفِرُونَ } أي بكل منهما كافرون، ولشدة التلازم والتصاحب والمقاربة بين موسى وهارون، دل ذكر أحدهما على الآخر، كما قال الشاعر
فما أَدْري إذا يَمَّمْتُ أَرضاً أُريدُ الخيرَ أَيُّهما يَليني   
أي فما أدري أيليني الخير، أو الشر؟ قال مجاهد بن جبر أمرت اليهود قريشاً أن يقولوا لمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال الله { أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَـٰهَرَا } قال يعني موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم { تَظَـٰهَرَا } أي تعاونا وتناصرا، وصدق كل منهما الآخر وبهذا قال سعيد بن جبير وأبو رزين في قوله { سِحْرَانِ } يعنون موسى وهارون، وهذا قول جيد قوي، والله أعلم. وقال مسلم بن يسار عن ابن عباس { قالوا سِحْرَانِ تظاهرا } قال يعنون موسى ومحمداً صلى الله عليهما وسلَّم، وهذه رواية عن الحسن البصري. وقال الحسن وقتادة يعني عيسى ومحمداً صلَّى الله عليهما وسلَّم، وهذا فيه بعد لأن عيسى لم يجر له ذكر ههنا، والله أعلم. وأما من قرأ { سِحْرَانِ تَظَـٰهَرَا } فقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس يعنون التوراة والقرآن، وكذا قال عاصم الجندي والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. قال السدي يعني صدق كل واحد منهما الآخر. وقال عكرمة يعنون التوراة والإنجيل، وهو رواية عن أبي زرعة، واختاره ابن جرير. وقال الضحاك وقتادة الإنجيل والقرآن، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، والظاهر على قراءة { سِحْرَانِ } أنهم يعنون التوراة والقرآن لأنه قال بعده { قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ } وكثيراً ما يقرن الله بين التوراة والقرآن كما في قوله تعالى

السابقالتالي
2