Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } * { ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ }

ذكر غير واحد من المفسرين من السلف وغيرهم أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلىء وغير ذلك. وقال بعضهم أرسلت بلبنة من ذهب، والصحيح أنها أرسلت إليه بآنية من ذهب. قال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما أرسلت جواري في زي الغلمان، وغلمان في زي الجواري، فقالت إن عرف هؤلاء من هؤلاء، فهو نبي، قالوا فأمرهم سليمان أن يتوضؤوا فتوضؤوا، فجعلت الجارية تفرغ على يدها من الماء، وجعل الغلام يغترف، فميزهم بذلك، وقيل بل جعلت الجارية تغسل باطن يدها قبل ظاهرها، والغلام بالعكس، وقيل بل جعلت الجواري يغسلن من أكفهن إلى مرافقهن، والغلمان من مرافقهم إلى كفوفهم، ولا منافاة بين ذلك كله، والله أعلم. وذكر بعضهم أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء، لا من السماء ولا من الأرض، فأجرى الخيل حتى عرقت، ثم ملأه من ذلك، وبخرزة وسلك ليجعله فيها، ففعل ذلك، والله أعلم أكان ذلك أم لا، وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات، والظاهر أن سليمان عليه السلام لم ينظر إلى ما جاؤوا به بالكلية، ولا اعتنى به، بل أعرض عنه. وقال منكراً عليهم { أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } أي أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟ { فَمَآ ءَاتَـٰنِي ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَـٰكُمْ } أي الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه، { بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } أي أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا، فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف. قال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه أمر سليمان الشياطين، فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة، فلما رأت رسلها ذلك، قالوا ما يصنع هذا بهديتنا؟ وفي هذا جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد، { ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ } أي بهديتهم، { فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا } أي لا طاقة لهم بقتالهم، { وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً } أي ولنخرجنهم من بلدتهم أذلة، { وَهُمْ صَـٰغِرُونَ } أي مهانون مدحورون. فلما رجعت إليها رسلها بهديتها، وبما قال سليمان، سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة، معظمة لسليمان، ناوية متابعته في الإسلام، ولما تحقق سليمان عليه السلام قدومهم عليه، ووفودهم إليه، فرح بذلك، وسره.