الرئيسية - التفاسير


* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } * { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } * { فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } * { فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ } * { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } * { أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ } * { ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ } * { مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ } * { وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } * { ذِكْرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ }

يقول تعالى كذلك سلكنا التكذيب والكفر والجحود والعناد، أي أدخلناه في قلوب المجرمين { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي بالحق { حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } أي حيث لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار، { فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً } أي عذاب الله بغتة { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ } أي يتمنون حين يشاهدون العذاب أن لو أنظروا قليلاً ليعملوا في زعمهم بطاعة الله كما قال الله تعالىوَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ } ــــ إلى قوله ــــلَكُمْ مِّن زَوَالٍ } إبراهيم 44 فكل ظالم وفاجر إذا شاهد عقوبته، ندم ندماً شديداً، هذا فرعون لما دعا عليه الكليم بقولهوَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } ــــ إلى قوله ــــقَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا } يونس 88-89 فأثرت هذه الدعوة في فرعون، فما آمن حتى رأى العذاب الأليمحَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ } ــــ إلى قوله ــــوَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ } يونس 90 ــــ 91 وقال تعالىفَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ } غافر 84 الآيات. وقوله تعالى { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ }؟ إنكار عليهم، وتهديد لهم فإنهم كانوا يقولون للرسول تكذيباً واستبعاداً ائتنا بعذاب الله، كما قال تعالىوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ } الحج 47 الآيات، ثم قال { أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَـٰهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ } أي لو أخرناهم وأنظرناهم وأملينا لهم برهة من الدهر وحيناً من الزمان، وإن طال، ثم جاءهم أمر الله، أي شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعيم؟كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَٰهَا } النازعات 46 وقال تعالىيَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ } البقرة 96 وقال تعالىوَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ } الليل 11 ولهذا قال تعالى { مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ }. وفي الحديث الصحيح " يؤتى بالكافر، فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له هل رأيت خيراً قط؟ هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً كان في الدنيا، فيصبغ في الجنة صبغة، ثم يقال له هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول لا والله يا رب " أي ما كأن شيئاً كان. ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت
كأنَّكَ لم تُؤثر من الدَّهْرِ ليلةً إذا أنتَ أدركتَ الذي أنتَ تطلُبُ   
ثم قال تعالى مخبراً عن عدله في خلقه أنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم، والإنذار لهم، وبعثة الرسل إليهم، وقيام الحجة عليهم، ولهذا قال تعالى { وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ ذِكْرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } كما قال تعالىوَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } الإسراء 15 وقال تعالىوَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِىۤ أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا } ــــ إلى قوله ــــوَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ } القصص 59.