Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ } * { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }

يقول تعالى { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ } يا معشر اليهود ما أحل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله، وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، والقيام بأمره إذ كان مشروعاً لهم، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما وضعوا لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة، نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل، أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر، وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم، لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم، وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف حيث يقول تعالىوَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } الأعراف 163 القصة بكمالها، وقال السدي أهل هذه القرية هم أهل أيلة، وكذا قال قتادة، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء الله، وبه الثقة، وقوله تعالى { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } قال مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة. وإنما هو مثل ضربه اللهكَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } الجمعة 5 ورواه ابن جرير عن المثنى، عن أبي حذيفة، وعن محمد بن عمر الباهلي، وعن أبي عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد به، وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، قال الله تعالىقُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ } المائدة 60 الآية، وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } فجعل الله منهم القردة والخنازير، فزعم أن شباب القوم صاروا قردة، وأن المشيخة صاروا خنازير. وقال شيبان النحوي عن قتادة { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } فصار القوم قردة تعاوى، لها أذناب بعد ما كانوا رجالاً ونساء، وقال عطاء الخراساني نودوا يا أهل القرية { كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم، فيقولون يا فلان ألم ننهكم؟ فيقولون برؤوسهم أي بلى، وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسن حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة بالمصيصية، حدثنا محمد بن مسلم، يعني الطائفي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فواقاً، ثم هلكوا، ما كان للمسخ نسل، وقال الضحاك، عن ابن عباس فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، يقول إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام، قال ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب، ولم ينسل، وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكرها الله في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء، ويحوله كما يشاء، وقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله { كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } قال يعني أذلة صاغرين، وروي عن مجاهد وقتادة والربيع وأبي مالك نحوه، وقال محمد بن إسحاق عن داود بن أبي الحصين عن عكرمة، قال قال ابن عباس إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم يوم الجمعة، فخالفوا إلى السبت، فعظموه وتركوا ما أمروا به، فلما أبوا إلا لزوم السبت، ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره، وكانوا في قرية بين أيلة والطور، يقال لها مدين، فحرم الله عليهم في السبت الحيتان صيدها وأكلها، وكانوا إذا كان يوم السبت، أقبلت إليهم شرعاً إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت، ذهبن فلم يروا حوتاً صغيراً ولا كبيراً، حتى إذا كان يوم السبت أتين شرعاً، حتى إذا ذهب السبت، ذهبن، فكانوا كذلك، حتى طال عليهم الأمد، وقرموا إلى الحيتان، عمد رجل منهم، فأخذ حوتاً سراً يوم السبت، فحزمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتداً في الساحل فأوثقه ثم تركه، حتى إذا كان الغد، جاء فأخذه، أي إني لم آخذه في يوم السبت، فانطلق به فأكله، حتى إذا كان يوم السبت الآخر، عاد لمثل ذلك، ووجد الناس ريح الحيتان، فقال أهل القرية والله لقد وجدنا ريح الحيتان، ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل، قال ففعلوا كما فعل، وصنعوا سراً زماناً طويلاً، لم يعجل الله عليهم العقوبة حتى صادوها علانية، وباعوها في الأسواق، فقالت طائفة منهم من أهل البقية ويحكم اتقوا الله، ونهوهم عما كانوا يصنعون، فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا

السابقالتالي
2 3 4 5