الرئيسية - التفاسير


* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ كۤهيعۤصۤ } * { ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } * { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً } * { قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً } * { وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } * { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً }

أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقوله { ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ } أي هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا، وقرأ يحيى بن يعمر { ذكّر رحمتِ ربكَ عبدَه زكريا } وزكريا يمد ويقصر، قراءتان مشهورتان، وكان نبياً عظيماً من أنبياء بني إسرائيل، وفي " صحيح البخاري " أنه كان نجاراً، يأكل من عمل يده في النجارة. وقوله { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً } قال بعض المفسرين إنما أخفى دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره، حكاه الماوردي، وقال آخرون إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله، كما قال قتادة في هذه الآية { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً } إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفي، وقال بعض السلف قام من الليل عليه السلام، وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية يا رب، يا رب، يا رب فقال الله له لبيك لبيك لبيك { قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي } أي ضعفت، وخارت القوى { وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } ، أي اضطرم المشيب في السواد، كما قال ابن دريد في مقصورته
أَما تَرَى رَأْسِيَ حاكَى لَوْنُه طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أَذْيالِ الدُّجَى واشْتَعَلَ المُبْيَضُّ في مُسْوَدِّةِ مِثْلَ اشتعالِ النارِ في جَمْرِ الغَضا   
والمراد من هذا الإخبار عن الضعف والكبر ودلائله الظاهرة والباطنة. وقوله { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً } أي ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك. وقوله { وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِىَ مِن وَرَآئِى } قرأ الأكثرون بنصب الياء من الموالي على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر
كَأَنَّ أَيْدِيْهِنَّ في القاعِ القَرِقْ أَيْدِي جَوارٍ يَتَعاطَيْنَ الوَرِقْ   
وقال الآخر
فَتَّى لو يُباري الشَّمْسَ أَلْقَتْ قِناعَها أو القَمَرَ الساري لأَلْقَى المقالِدا   
ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي
تَغايَرَ الشِّعْرُ منهُ إِذْ سَهِرْتُ لَهُ حَتَى ظَنَنْتُ قَوافِيْهِ سَتَقْتَتِلُ   
وقال مجاهد وقتادة والسدي أراد بالموالي العصبة. وقال أبو صالح الكلالة. وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان يقرؤها { وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي } بتشديد الفاء، بمعنى قلت عصباتي من بعدي، وعلى القراءة الأولى وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل الله ولداً يكون نبياً من بعده ليسوسهم بنبوته ما يوحى إليه، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم، هذا وجه. الثاني أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً، ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.

السابقالتالي
2