Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } * { قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً }

يقول تعالى قل يا محمد لو كان ماء البحر مداداً للقلم الذي يكتب به كلمات الله، وحكمه وآياته الدالة عليه، لنفد البحر قبل أن يفرغ كتابة ذلك { وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ } أي بمثل البحر آخر، ثم آخر، وهلم جراً، بحور تمده ويكتب بها، لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالىوَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } لقمان 27 وقال الربيع بن أنس إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحوركلها، وقد أنزل الله ذلك { قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّي } يقول لو كانت تلك البحور مداداً لكلمات الله، والشجر كله أقلام، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء، لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها. روى الطبراني من طريق هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن قيس الكوفي أنه سمع معاوية بن أبي سفيان قال هذه آخر آية أنزلت، يقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه { قُلْ } لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم { إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } فمن زعم أني كاذب، فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين مما هو مطابق في نفس الأمر، ولولا ما أطلعني الله عليه، وإنما أخبركم { أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ } الذي أدعوكم إلى عبادته { إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ } لا شريك له { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ } أي ثوابه وجزاءه الصالح، { فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً } أي ما كان موافقاً لشرع الله { وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا } وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصاً لله، صواباً على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى ابن أبي حاتم من حديث معمر عن عبد الكريم الجزري عن طاوس قال قال رجل يا رسول الله إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزلت هذه الآية { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا } وهكذا أرسل هذا مجاهد وغير واحد. وقال الأعمش حدثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم عن شهر بن حوشب قال جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، فقال عبادة ليس له شيء، إن الله تعالى يقول أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك، فهو له كله، لا حاجة لي فيه.

السابقالتالي
2 3 4 5