Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } * { وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً }

يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم، وقد اختلفوا في ذلك، فقال مجاهد وقتادة بنبيهم، وهذا كقوله تعالىوَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ } يونس 47 الآية. وقال بعض السلف هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث لأن إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن زيد بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع، واختاره ابن جرير. وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال بكتبهم، فيحتمل أن يكون أراد هذا، وأن يكون أراد ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } أي بكتاب أعمالهم. وكذا قال أبو العالية والحسن والضحاك، وهذا القول هو الأرجح لقوله تعالىوَكُلَّ شىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ } يس 12 وقال تعالىوَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ } الكهف 49 الآية. ويحتمل أن المراد بإمامهم أي كل قوم بمن يأتمون به، فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء عليهم السلام، وأهل الكفر اتئموا بأئمتهم كما قالوَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } القصص 41 وفي " الصحيحين " " لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع ما كان يعبد الطواغيت الطواغيت " الحديث. وقال تعالىوَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } الجاثية 28 - 29 وهذا لا ينافي أن يجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته فإنه لا بد أن يكون شاهداً على أمته بأعمالها كقوله تعالىوَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ وَجِـىءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ } الزمر 69 وقوله تعالىفَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً } النساء 41 ولكن المراد ههنا بالإمام هو كتاب الأعمال، ولذا قال تعالى { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَـٰبَهُمْ } أي من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح يقرؤه ويحب قراءته كقولهفَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ } إلى قولهوَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِشِمَالِهِ } الحاقة 19 - 25 الآيات. وقوله تعالى { وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } قد تقدم أن الفتيل هو الخيط المستطيل في شق النواة. وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثاً في هذا فقال حدثنا محمد بن يعمر ومحمد بن عثمان بن كرامة قالا حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } قال " يدعى أحدهم، فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه، فيرونه من بعيد، فيقولون اللهم ائتنا بهذا، وبارك لنا في هذا، فيأتيهم فيقول لهم أبشروا فإن لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافر، فيسود وجهه، ويمد له جسمه، ويراه أصحابه فيقولون أعوذ بالله من هذا، أو من شر هذا، اللهم لا تأتنا به، فيأتيهم فيقولون اللهم أخزه فيقول أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا "

السابقالتالي
2