Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ } * { سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ } * { لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }

يقول تعالى { يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ } وتبرز الخلائق لديانها، ترى يا محمد يومئذ المجرمين، وهم الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم { مُّقَرَّنِينَ } أي بعضهم إلى بعض، قد جمع بين النظراء أو الأشكال منهم، كل صنف إلى صنف، كما قال تعالىٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَٰجَهُمْ } الصافات 22 وقالوَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ } التكوير 7 وقالوَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } الفرقان 13 وقالوَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ } ص37-38 والأصفاد هي القيود، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والأعمش وعبد الرحمن بن زيد، وهو مشهور في اللغة، قال عمرو بن كلثوم
فَآبُوا بالثيابِ وبالسَّبايا وأُبْنا بالمُلوكِ مُصَفَّدِينا   
وقوله { سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ } أي ثيابهم التي يلبسونها من قطران، وهو الذي تهنأ به الإبل، أي تطلى، قال قتادة وهو ألصق شيء بالنار. ويقال فيه قطران، بفتح القاف وكسر الطاء وتسكينها، وبكسر القاف وتسكين الطاء، ومنه قول أبي النجم
كَأَنَّ قطْراناً إذا تَلاها تَرْمي بهِ الريحُ إلى مَجْراها   
وكان ابن عباس يقول القطران هنا النحاس المذاب، وربما قرأها { سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ } أي من نحاس حار قد انتهى حره، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة. وقوله { وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ } كقولهتَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ } المؤمنون 104 وقال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا يحيى بن إسحاق، أنبأنا أبان بن يزيد عن يحيى ابن أبي كثير عن زيد عن أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أربع من أمر الجاهلية لا يُتْرَكن الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت، والنائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب " انفرد بإخراجه مسلم. وفي حديث القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " النائحة إذا لم تتب، توقف في طريق بين الجنة والنار، وسرابيلها من قطران، وتغشى وجهها النار " وقوله { لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي يوم القيامة كما قاللِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ } النجم 31 الآية، { إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } يحتمل أن يكون كقوله تعالىٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } الأنبياء 1 ويحتمل أنه في حال محاسبته لعبده سريع النجاز لأنه يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه خافية، وإن جميع الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم كقوله تعالىمَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ } لقمان 28 وهذا معنى قول مجاهد { سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } إحصاء، ويحتمل ان يكون المعنيان مرادين، والله أعلم.