Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق


{ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ }

أي يقول هؤلاء الكفرة المكذبون المعاندون لولا أنزل على محمد آية من ربه، يعنون كما أعطى الله ثمود الناقة، أو أن يحول لهم الصفا ذهباً، أو يزيح عنهم جبال مكة، ويجعل مكانها بساتين وأنهاراً، أو نحو ذلك مما الله عليه قادر، ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله كما قال تعالىتَبَارَكَ ٱلَّذِىۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً } الفرقان10-11 وكقوله { وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ } الآية، يقول تعالى إِن سنتي في خلقي أني إِذا آتيتهم ما سألوا، فإن آمنوا وإِلا عاجلتهم بالعقوبة. ولهذا لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين إعطائهم ما سألوا فإن آمنوا وإِلا عذبوا، وبين إِنظارهم، اختار إِنظارهم، كما حلم عنهم غير مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال تعالى إِرشاداً لنبيه صلى الله عليه وسلم إِلى الجواب عما سألوا { فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ } أي الأمر كله لله، وهو يعلم العواقب في الأمور. { فَٱنتَظِرُوۤاْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ } أي إِن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم، فانتظروا حكم الله فيَّ وفيكم. هذا مع أنهم قد شاهدوا من آياته صلى الله عليه وسلم أعظم مما سألوا حين أشار بحضرتهم إِلى القمر ليلة إِبداره، فانشق اثنتين فرقة من وراء الجبل، وفرقة من دونه. وهذا أعظم من سائر الآيات الأرضية مما سألوا وما لم يسألوا، ولو علم الله منهم أنهم سألوا ذلك استرشاداً وتثبيتاً، لأجابهم، ولكن علم أنهم إِنما يسألون عناداً وتعنتاً، فتركهم فيما رابهم، وعلم أنهم لا يؤمن منهم أحد كقوله تعالىإِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ } يونس96-97 الآية. وقوله تعالىوَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ } الأنعام 111 الآية، ولما فيهم من المكابرة كقوله تعالىوَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ } الحجر 14 الآية، وقوله تعالىوَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَـٰقِطاً يَقُولُواْ سَحَـٰبٌ مَّرْكُومٌ } الطور 44 الآية، وقال تعالىوَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } الأنعام 7 فمثل هؤلاء أقل من أن يجابوا إِلى ما سألوه لأنه لا فائدة في جوابهم لأنه دائر على تعنتهم وعنادهم لكثرة فجورهم وفسادهم، ولهذا قال { فَٱنتَظِرُوۤاْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ }.