Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير انوار التنزيل واسرار التأويل/ البيضاوي (ت 685 هـ) مصنف و مدقق


{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ } * { وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } * { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }

{ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } " روي: أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب لما حضرته الوفاة: قل كلمة أحاج لك بها عند الله فأبى فقال عليه الصلاة والسلام: لا أزال استغفر لك ما لم أنه عنه " فنزلت وقيل لما افتتح مكة خرج إلى الأبواء فزار قبر أمه ثم قام مستعبراً فقال: " إني استأذنت رب في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل علي الآيتين " { وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } بأن ماتوا على الكفر، وفيه دليل على جواز الاستغفار لاحيائهم فإنه طلب توفيقهم للإِيمان وبه دفع النقيض باستغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأَبيه الكفار فقال:

{ وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } وعدها إبراهيم أباه بقوله: { لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } أي لأطلبن مغفرتك بالتوفيق للإيمان فإنه يجب ما قبله، ويدل عليه قراءة من قرأ «أباه»، أو «وعدها إبراهيم أبوه» وهي الوعد بالإِيمان { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ } بأن مات على الكفر، أو أوحي إليه بأنه لن يؤمن { تَبَرَّأَ مِنْهُ } قطع استغفاره. { إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لأَوَّاهٌ } لكثير التأوه وهو كناية عن فرط ترحمه ورقة قلبه. { حَلِيمٌ } صبور على الأذى، والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له مع شكاسته عليه.

{ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً } أي ليسميهم ضُلاَّلاً ويؤاخذهم مؤاخذتهم { بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } للإِسلام. { حَتَّىٰ يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ } حتى يبين لهم خطر ما يجب اتقاؤه، وكأنه بيان عذر الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله لعمه أو لمن استغفر لأسلافه المشركين قبل المنع. وقيل إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر ونحو ذلك، وفي الجملة دليل على أن الغافل غير مكلف. { إَِنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيعلم أمرهم في الحالين.