Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير انوار التنزيل واسرار التأويل/ البيضاوي (ت 685 هـ) مصنف و مدقق


{ حـمۤ } * { وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ } * { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } * { وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ } * { أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ } * { وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ } * { وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } * { فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ } * { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } * { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } * { وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } * { وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ } * { لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } * { وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ }

مكية وقيل إلا قوله: واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا وآيها تسع وثمانون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

{ حـم } { وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } { إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً عَرَبِيّاً } أقسم بالقرآن على أنه جعله قرآناً عربياً، وهو من البدائع لتناسب القسم والمقسم عليه كقول أبي تمام:
وَثَنَايَاكَ أَنَّهَا إِغْرِيضُ   
ولعل إقسام الله بالأشياء استشهاد بما فيها من الدلالة على المقسم عليه، وبالقرآن من حيث أنه معجز مبين لطرق الهدى وما يحتاج إليه في الديانة، أو بين للعرب ما يدل على أنه تعالى صيره كذلك ـ { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لكي تفهموا معانيه.

{ وَإِنَّهُ } عطف على انا، وقرأ حمزة والكسائي بالكسر على الاستئناف. { فِى أُمّ ٱلْكِتَـٰبِ } في اللوح المحفوظ فإنه أصل الكتب السماوية، وقرىء أم الكتاب بالكسر. { لَدَيْنَا } محفوظاً عندنا عن التغيير. { لَّعَـليٌّ } رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزاً من بينها. { حَكِيمٌ } ذو حكمة بالغة، أو محكم لا ينسخه غيره. وهما خبران لأن { وَفِى أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ } متعلق بـ { لَّعَـليٌّ } واللام لا تمنعه، أو حال منه و { لَدَيْنَا } بدل منه أو حال من { أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ }.

{ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذّكْرَ صَفْحاً } أفنذوده ونبعده عنكم مجاز من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض، قال طرفة:
اضْرِبْ عَنْكَ الهُمُومَ طَارِقَهَا   ضَرْبكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَس الفَرَسِ
والفاء للعطف على محذوف أي انهملكم فنضرب { عَنكُمُ ٱلذّكْرَ } ، و { صَفْحاً } مصدر من غير لفظه فإن تنحية الذكر عنهم إعراض أو مفعول له أو حال بمعنى صافحين، وأصله أن تولي الشيء صفحة عنقك. وقيل إنه بمعنى الجانب فيكون ظرفاً ويؤيده أنه قرىء «صَُفْحاً» بالضم، وحينئذ يحتمل أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح بمعنى صافحين، والمراد إنكار أن يكون الأمر على خلاف ما ذكر من إنزال الكتاب على لغتهم ليفهموه. { أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ } أي لأن كنتم، وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإِعراض عنهم، وقرأ نافع وحمزة والكسائي { إن } بالكسر على أن الجملة شرطية مخرجة للمحقق مخرج المشكوك استجهالاً لهم، وما قبلها دليل الجزاء.

{ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى ٱلأَوَّلِينَ } { وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِيٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه.

{ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً } أي من القوم المسرفين لأنه صرف الخطاب عنهم إلى الرسول مخبراً عنهم. { وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ } وسلف في القرآن قصتهم العجيبة، وفيه وعد للرسول ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين.

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } لعله لازم مقولهم أو ما دل عليه إجمالاً أقيم مقامه تقريراً لإِلزام الحجة عليهم، فكأنهم قالوا «الله» كما حكي عنهم في مواضع أخر وهو الذي من صفته ما سرد من الصفات، ويجوز أن يكون مقولهم وما بعده استئناف { ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } فتستقرون فيها وقرىء غير الكوفيين «مهاداً» بالإلف.

السابقالتالي
2