Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير انوار التنزيل واسرار التأويل/ البيضاوي (ت 685 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً } * { قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } * { قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً } * { فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً } * { يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } * { وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً } * { وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } * { وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً }

{ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً } جساوة وقحولاً في المفاصل، وأصله عتو وكقعود فاستثقلوا توالي الضمتين والواوين فكسروا التاء فانقلبت الواو الأولى ياء، ثم قلبت الثانية وأدغمت وقرأ حمزة والكسائي وحفص { عِتِيّاً } بالكسر، وإنما استعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافاً بأن المؤثر فيه كمال قدرته وأن الوسائط عند التحقيق ملغاة ولذلك: { قَالَ } أي الله تعالى أو الملك المبلغ للبشارة تصديقاً له. { كَذٰلِكَ } الأمر كذلك، ويجوز أن تكون الكاف منصوبة بـ { قَالَ } في: { قَالَ رَبُّكَ } وذلك إشارة إلى مبهم يفسره. { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } ويؤيد الأول قراءة من قرأ { وَهُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ } أي الأمر كما قلت، أو كما وعدت وهو على ذلك يهون علي، أو كما وعدت وهو عليّ هين لا أحتاج فيما أريد أن أفعله إلى الأسباب، ومفعول قال الثاني محذوف. { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } بل كنت معدوماً صرفاً، وفيه دليل على أن المعدوم ليس بشيء، وقرأ حمزة والكسائي «وقد خلقناك».

{ قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّى ءَايَةً } علامة أعلم بها وقوع ما بشرتني به. { قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } سَوِيُّ الخَلْقِ ما بك من خرس ولا بكم، وإنما ذكر الليالي هنا والأيام في «آل عمران» للدلالة على أنه استمر عليه المنع من كلام الناس والتجرد للذكر والشكر ثلاثة أيام ولياليهن.

{ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ } من المصلى أو من الغرفة. { فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ } فأومأ إليهم لقوله { إِلاَّ رَمْزًا }. وقيل كتب لهم على الأرض. { أَن سَبِّحُواْ } صلوا أو نزهوا ربكم. { بُكْرَةً وَعَشِيّاً } طرفي النهار، ولعله كان مأموراً بأن يسبح ويأمر قومه بأن يوافقوه، و { أَن } تحتمل أن تكون مصدرية وأن تكون مفسرة.

{ يَا يَحْيَىٰ } على تقدير القول. { خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ } التوراة. { بِقُوَّةٍ } بجد واستظهار بالتوفيق. { وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } يعني الحكمة وفهم التوراة، وقيل النبوة أحكم الله عقله في صباه واستنبأه.

{ وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا } ورحمة منا عليه أو رحمة وتعطفاً في قلبه على أبوييه وغيرهما عطف على الحكم. { وَزَكَوٰةً } وطهارة من الذنوب أو صدقة أي تصدق الله به على أبويه، أو مكنه ووفقه للتصديق على الناس. { وَكَانَ تَقِيّا } مطيعاً متجنباً عن المعاصي.

{ وَبَرّاً بِوٰلِدَيْهِ } وباراً بهما. { وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } عاقاً أو عاصي ربه.

{ وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ } من الله. { يَوْمَ وُلِدَ } من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم. { وَيَوْمَ يَمُوتُ } من عذاب القبر. { وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً } من عذاب النار وهو القيامة.