Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ } * { إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ }

قوله تعالىٰ: { وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي } من أذِن يأذَن. وإذا أمرت زدت همزة مكسورة وبعدها همزة هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان فأبدلت من الثانية ياء لكسرة ما قبلها فقلت إيذن. فإذا وصلت زالت العلة في الجمع بين همزتين، ثم همزت فقلت: «ومنهم من يقول ائذن لي». وروى وَرْشٌ عن نافع «وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اوذَنْ لِي» خفف الهمزة. قال النحاس: يقال إيذن لفلان ثم إيذن له، هجاء الأولىٰ والثانية واحد بألف وياء قبل الذال في الخط. فإن قلت: إيذن لفلان وأذنْ لغيره كان الثاني بغير ياء وكذا الفاء. والفرق بين ثُمّ والواو أن ثم يوقف عليها وتنفصل، والواو والفاء لا يوقف عليهما ولا ينفصلان. قال محمد بن إسحاق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للجدّ بن قيس أخي بني سلمة لما أراد الخروج إلى تبوك: " «يا جدّ، هل لك في جِلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووُصَفاء» فقال الجدّ: قد عرف قومي أني مغرم بالنساء، وإني أخشىٰ إن رأيت بني الأصفر ألا أصبر عنهن، فلا تَفْتِنّي وأذن لي في القعود وأعينك بمالي فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «قد أذنت لك» " فنزلت هذه الآية. أي لا تفتنّي بصباحة وجوههم، ولم يكن به علة إلا النفاق. قال المهدويّ: والأصفر رجل من الحبشة كانت له بنات لم يكن في وقتهن أجمل منهن، وكان ببلاد الروم. وقيل: سُمُّوا بذلك لأن الحبشة غلبت على الروم، وولدت لهم بنات فأخذن من بياض الروم وسواد الحبشة، فكنّ صُفراً لُعْساً. قال ابن عطية: في قول ابن إسحاق فتور. وأسند الطبريّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اغزوا تغنموا بنات الأصفر " فقال له الجد: إيذن لنا ولا تفتنّا بالنساء. وهذا منزع غير الأوّل، وهو أشبه بالنفاق والمُحادّة. ولما نزلت قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لبني سلمة ـ وكان الجدّ بن قيس منهم: " «من سيدكم يا بني سلمة»؟ قالوا: جدّ بن قيس، غير أنه بخيل جبان. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «وأيّ داء أدوىٰ من البخل بل سيدكم الفتىٰ الأبيض بشر بن البراء بن مَعْرُور» " فقال حسان بن ثابت الأنصاريّ فيه:
وسُوّد بشر بن البراء لجوده   وحقّ لبشر بن البرا أن يُسَوَّدَا
إذا ما أتاه الوفد أذهب ماله   وقال خذوه إنني عائد غداً
{ أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ } أي في الإثم والمعصية وقعوا. وهي النفاق والتخلف عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ } أي مسيرهم إلى النار. فهي تحدق بهم. قوله تعالىٰ: { وَإِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } شرط ومجازاة وكذا { وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ } عطف عليه. والحسنة: الغنيمة والظفر. والمصيبة الانهزام. ومعنىٰ قولهم: «أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ» أي احتطنا لأنفسنا، وأخذنا بالحزم فلم نخرج إلى القتال. «وَيَتَولَّوْا» أي عن الإيمان. { وَّهُمْ فَرِحُونَ } أي معجبون بذلك.