الرئيسية - التفاسير


* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ } * { كِرَاماً كَاتِبِينَ } * { يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ }

قوله تعالى: { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ } أي رُقباء من الملائكة { كِرَاماً } أي عليّ كقوله: { كِرَامٍ بَرَرَةٍ } وهنا ثلاث مسائل: الأولى ـ رُوِي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكرمُوا الكرامَ الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين: الخِرَاءة أو الجماع، فإذا ٱغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو بغيره، أو ليستره أخوه " ورُوي عن عليّ رضي الله عنه قال: لا يزال المَلكَ مولياً عن العبد ما دام باديَ العورة. ورُوِي. " إن العبد إذا دخل الحمام بغير مئِزر لعنه ملكاه ". الثانية ـ وٱختلف الناس في الكُفّار هل عليهم حفَظَة أم لا؟ فقال بعضهم: لا لأن أمرهم ظاهر، وعملهم واحد قال الله تعالى:يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ } [الرحمن: 41]. وقيل: بل عليهم حفظة لقوله تعالى: { كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ }. وقال:وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ } [الحاقة: 25] وقال:وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ } [الانشقاق: 10]، فأخبر أن الكفار يكون لهم كُتّاب، ويكون عليهم حفَظَة. فإن قيل: الذي على يمينه أيَّ شيء يكتب ولا حسنة له؟ قيل له: الذي يكتب عن شماله يكون بإذن صاحبه، ويكون شاهداً على ذلك وإن لم يكتب. والله أعلم. الثالثة ـ سئل سفيان: كيف تعلم الملائكة أن العبدَ قد هم بحسنة أو سيئة؟ قال: إذا هم العبد بحسنة وجدوا منه ريح المسك، وإذا هم بسيئة وجدوا منه ريح النَّتْن. وقد مضى في «ق» عند قوله:مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ق: 18] زيادة بيان لمعنى هذه الآية. وقد كره العلماء الكلام عند الغائط والجماع، لمفارقة الملك العبد عند ذلك. وقد مضى في آخر «آلِ عِمران» القول في هذا. وعن الحسن: يعلمون لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم. وقيل: يعلمون ما ظهر منكم دون ما حدّثتم به أنفسكم. والله أعلم.