Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }

فيه ثماني عشرة مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: { يَسْأَلُونَكَ } الآية نزلت بسبب عديّ بن حاتم وزيد بن مهلهل وهو زيد الخيل الذي سمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير قالا: يا رسول الله إنّا قوم نَصيد بالكلاب والبُزاة، وإنّ الكلاب تأخذ البقر والحُمُر والظّباء فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما تقتله فلا نُدرك ذكاته، وقد حرّم الله الميتة فماذا يَحِلّ لنا؟ فنزلت الآية. الثانية ـ قوله تعالىٰ: { مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ } «ما» في موضع رفع بالابتداء، والخبر أُحلّ لهم وذا زائدة وإن شئت كانت بمعنىٰ الذي، ويكون الخبر «قل أحل لكم الطيّبات» وهو الحلال، وكل حرام فليس بطيِّب. وقيل: ما التذّه آكله وشاربه ولم يكن عليه فيه ضرر في الدنيا ولا في الآخرة. وقيل: الطَّيِّبات الذبائح، لأنها طابت بالتذكية. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: { وَمَا عَلَّمْتُمْ } أي وصَيْد ما علَّمتم ففي الكلام إضمار لا بدّ منه، ولولاه لكان المعنى يقتضي أن يكون الحِلّ المسؤول عنه متناولا للمعلَّم من الجوارح المكلَّبين، وذلك ليس مذهباً لأحد: فإن الذي يبيح لحم الكلب فلا يخصص الإباحة بالمعلَّم وسيأتي ما للعلماء في أكل الكلب في «الأنعام» إن شاء الله تعالىٰ. وقد ذكر بعض مَن صنّف في أحكام القرآن أن الآية تدلّ على أن الإباحة تتناول ما علّمناه من الجوارح، وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع فدلّ على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلاَّ ما خصّه الدليل، وهو الأكل من الجوارح أي الكَواسِب من الكلاب وسباع الطير وكان لعدِيّ كلاب خمسة قد سمّاها بأسماء أعلام، وكان أسماء أكْلُبِه سلهب وغلاّب والمختلِس والمتناعس قال السّهَيْلي وخامس أشك، قال فيه أخْطَب، أو قال فيه وَثّاب. الرابعة ـ أجمعت الأُمّة على أن الكلب إذا لم يكن أسود وعلّمه مسلم فيَنْشَلِي إذا أُشْلِي ويجيب إذا دُعي، وينزجر بعد ظَفَره بالصيد إذا زُجر، وأن يكون لا يأكل من صيده الذي صاده، وأثّر فيه بجرح أو تَنْيِيب، وصاد به مسلمٌ وذكر اسم الله عند ارساله أن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف. فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفَهْد وما أشبهه وكالبازِي والصّقْر ونحوهما من الطير فجمهور الأُمّة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب. يُقال: جَرَح فلان وٱجترح إذا ٱكتسب ومنه الجارحة لأنها يكتسب بها ومنه ٱجتراح السَّيِّئات. وقال الأعشىٰ:
فذا جُبَارٍ مُنْضِجا مِيسَمُه   يُذْكِر الجارح ما كان ٱجترحْ
وفي التنزيلوَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } [الأنعام: 60] وقال:أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ }

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8