Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً }

فيه عشرون مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً } هذه آية من أُمّهات الأحكام. والمعنى ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاَّ خطأ فقوله: { وَمَا كَانَ } ليس على النّفي وإنما هو على التحريم والنهي، كقوله:وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ } [الأحزاب: 53] ولو كانت على النفي لما وجد مؤمن قتل مؤمناً قط لأن ما نفاه الله فلا يجوز وجوده، كقوله تعالىٰ:مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } [النمل: 60]. فلا يقدر العباد أن ينبتوا شجرها أبداً. وقال قتادة: المعنى ما كان له ذلك في عهد الله. وقيل: ما كان له ذلك فيما سلف، كما ليس له الآن ذلك بوجه، ثم استثنى استثناء منقطعاً ليس من الأوّل وهو الذي يكون فيه { إِلاَ } بمعنى { لَكِنِ } والتقدير ما كان له أن يقتله ألَبّتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا هذا قول سيبويه والزجاج رحمهما الله. ومن الاستثناء المنقطع قوله تعالىٰ:مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ } [النساء: 157]. وقال النابغة:
وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلاَناً أسائلها   عَيَّتْ جواباً وما بالرّبعِ من أحَدِ
إلاَّ الأَوَارِيَّ لأْياً ما أبَيِّنُها   والنُّؤْيُ كالحَوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ
فلما لم تكن الأواريّ من جنس أحدٍ حقيقة لم تدخل في لفظه. ومثله قول الآخر:
أمسى سُقَامٌ خَلاءً لا أنيسَ به   إلاَّ السباعَ ومر الريح بالغَرَفِ
وقال آخر:
وبلدةٍ ليس بها أنيسُ   إلاَّ اليعافيرُ وإلا العيس
وقال آخر:
وبعضُ الرجال نخلةٌ لا جَنَى لها   ولا ظلَّ إلاَّ أن تُعَدّ من النخل
أنشده سيبويه ومثله كثير، ومن أبدعه قول جرير:
مِن البِيضِ لم تَظْعن بعيداً ولم تطأ   على الأرض إلاَّ ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ
كأنه قال: لم تطأ على الأرض إلاَّ أن تطأ ذيل البُرْد. ونزلت الآية بسبب قَتلِ عيّاشِ بن أبي ربيعة الحارثَ بن يزيد بن أبي أنيسة العامريّ لحَنّةٍ كانت بينهما، فلما هاجر الحارث مُسْلِماً لَقِيَه عيّاشٌ فقتله ولم يشعر بإسلامه فلما أخبِر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنه قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، ولم أشعر بإسلامه حتى قتلتُه فنزلت الآية. وقيل: هو ٱستثناء متصل، أي وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً ولا يقتصّ منه إلاَّ أن يكون خطأ فلا يقتص منه، ولكن فيه كذا وكذا. ووجه آخر وهو أن يقدّر كان بمعنى استقرّ ووُجد كأنه قال: وما وُجد وما تقرّر وما ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاَّ خطأ إذ هو مغلوب فيه أحياناً فيجيء الاستثناء على هذين التأويلين غير منقطع. وتتضمن الآية على هذا إعظامَ العَمْد وبشاعة شأنه كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تتكلم بهذا إلاَّ ناسياً؟ إعظاماً للعمد والقصد مع حظر الكلام به ألبَتّة.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8 9 10  مزيد