Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً } * { ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً }

فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالىٰ: { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } لمّا ذكر تعالىٰ الأمرَ الذي لو فعله المنافقون حين وُعظوا به وأنابوا إليه لأنعم عليهم، ذَكَر بعد ذلك ثوابَ مَن يفعله. وهذه الآية تفسير قوله تعالىٰ: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وهي المراد في قوله عليه السَّلام عند موته: " اللَّهُمَّ الرّفيقَ الأعلىٰ " وفي البخاريّ عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من نَبي يمرض إلا خُيّر بين الدنيا والآخرة " كان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: { مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ } فعلمت أنه خُيِّر. وقالت طائفة إنما نزلت هذه الآية لما قال عبدالله ابن زيد بن عبدربّه الأنصاري ـ الذي أرى الأذان ـ: يا رسول الله، إذا مِتَّ ومِتْنا كنتَ في علِّيين لا نراك ولا نجتمع بك وذكر حزنه على ذلك فنزلت هذه الآية. وذكر مَكِّي عن عبدالله هذا وأنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللَّهُمَّ أعْمِني حتى لا أرى شيئاً بعده فعَمِى مكانه. وحكاه القشيري فقال: اللهم أعميني فلا أرى شيئاً بعد حبيبي حتى ألقى حبيبي، فعمي مكانه. وحكى الثَّعْلبي. أنها نزلت في ثَوْبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديدَ الحُبّ له قليلَ الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغيّر لونُه ونَحَل جسمه، يُعرف في وجهه الحزن فقال له: " «يا ثَوْبَان ما غيّر لونك» فقال: يا رسول الله ما بي ضرّ ولا وجع، غير أني أذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وَحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف ألاّ أراك هناك لأني عرفت أنك تُرفع مع النبييّن وأني إن دخلت الجنة كنتُ في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذلك حِينٌ لا أراك أبداً " فأنزل الله تعالى هذه الآية. ذكره الوَاحِدي عن الكَلْبي. وأسنِد عن مسروق قال: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدّنيا، فإنك إذا فارقتنا رُفعت فوقنا فأنزل الله تعالى: { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ }. وفي طاعة الله طاعة رسوله ولكنه ذكره تشريفا لقَدره وتنوِيها باسمه صلى الله عليه وسلم وعلى آله. { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } أي هم معهم في دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم، لا أنهم يساوونهم في الدّرجة فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدّنيا والاقتداء. وكلّ مَن فيها قد رزق الرضا بحاله، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول.

السابقالتالي
2