Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } * { ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } * { وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ }

قوله تعالى: { وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ } أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم في الصبر على المكاره. «أَيُّوبَ» بدل. { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } وقرأ عيسى بن عمر «إِنّي» بكسر الهمزة أي قال. قال الفراء: وأجمعت القراء على أن قرؤوا «بِنُصْبٍ» بضم النون والتخفيف. النحاس: وهذا غلط وبعده مناقضة وغلط أيضاً لأنه قال: أجمعت القراء على هذا، وحكى بعده أنهم ذكروا عن يزيد بن القعقاع أنه قرأ: «بِنَصَبٍ» بفتح النون والصاد فغلط على أبي جعفر، وإنما قرأ أبو جعفر «بِنُصُبٍ» بضم النون والصاد كذا حكاه أبو عبيد وغيره وهو مروي عن الحسن. فأما «بِنَصَبٍ» فقراءة عاصم الجحدريّ ويعقوب الحضرميّ. وقد رويت هذه القراءة عن الحسن. وقد حكي «بِنَصْبٍ» بفتح النون وسكون الصاد عن أبي جعفر. وهذا كله عند أكثر النحويين بمعنى النَّصَبِ فنُصْب ونَصَب كحزْن وحَزَن. وقد يجوز أن يكون نُصْب جمع نَصَبٍ كَوُثْن ووَثَنٍ. ويجوز أن يكون نُصْب بمعنى نُصُب حذفت منه الضمة، فأماوَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } [المائدة: 3] فقيل: إنه جمع نصاب. وقال أبو عبيدة وغيره: النُّصْبُ الشر والبلاء. والنَّصَب التعب والإعياء. وقد قيل في معنى: { أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } أي ما يلحقه من وسوسته لا غير. والله أعلم. ذكره النحاس. وقيل: إن النصب ما أصابه في بدنه، والعذاب ما أصابه في ماله وفيه بُعْد. وقال المفسرون: إن أيوب كان رومياً من البَثَنِيَّة وكنيته أبو عبد الله في قول الواقدي اصطفاه الله بالنبوّة، وأتاه جملة عظيمة من الثروة في أنواع الأموال والأولاد. وكان شاكراً لأنْعُم الله، مواسياً لعباد الله، بَرًّا رحيماً. ولم يؤمن به إلا ثلاثة نفر. وكان لإبليس موقف من السماء السابعة في يوم من الأيام، فوقف به إبليس على عادته فقال الله له أو قيل له عنه: أَقَدَرْتَ من عبدي أيوب على شيء؟ فقال: يا رب! وكيف أقدر منه على شيء، وقد ابتليته بالمال والعافية، فلو ابتليته بالبلاء والفقر ونزعت منه ما أعطيته لحال عن حاله، ولخرج عن طاعتك. قال الله: قد سلطتك على أهله وماله. فانحط عدوُّ الله فجمع عفاريت الجن فأعلمهم، وقال قائل منهم: أكون إعصاراً فيه نار أهلك ماله فكان فجاء أيوبَ في صورة قَيِّم ماله فأعلمه بما جرى فقال: الحمد لله هو أعطاه وهو منعه. ثم جاء قصره بأهله وولده، فاحتمل القصر من نواحيه حتى ألقاه على أهله وولده، ثم جاء إليه وأعلمه فألقى التراب على رأسه، وصعد إبليس إلى السماء فسبقته توبة أيوب. قال: يا رب سلطني على بدنه. قال: قد سلطتك على بدنه إلا على لسانه وقلبه وبصره، فنفخ في جسده نفخة اشتعل منها فصار في جسده ثآليل فحكها بأظفاره حتى دميت، ثم بالفخار حتى تساقط لحمه.

السابقالتالي
2 3 4