Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ } * { وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لْئَيْكَةِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ } * { إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ }

قوله تعالى: { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } ذكرها تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له أي هؤلاء من قومك يا محمد جندٌ من الأحزاب المتقدّمين الذين تحزَّبوا على أنبيائهم، وقد كانوا أقوى من هؤلاء فأهلكوا. وذكر اللّه تعالى القوم بلفظ التأنيث، وٱختلف أهل العربية في ذلك على قولين: أحدهما ـ أنه قد يجوز فيه التذكير والتأنيث. الثاني ـ أنه مذكر اللفظ لا يجوز تأنيثه، إلا أن يقع المعنى على العشيرة والقبيلة، فيغلب في اللفظ حكم المعنى المضمر تنبيهاً عليه كقوله تعالى:كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ } [عبس: 11 ـ 12] ولم يقل ذكرها لأنه لما كان المضمر فيه مذكراً ذكره وإن كان اللفظ مقتضياً للتأنيث. ووصف فرعون بأنه ذو الأوتاد. وقد ٱختلف في تأويل ذلك فقال ٱبن عباس: المعنى ذو البناء المحكم. وقال الضحاك: كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتاداً. وعن ٱبن عباس أيضاً وقتادة وعطاء: أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يُلْعَب له عليها. وعن الضحاك أيضاً: ذو القوّة والبطش. وقال الكلبي ومقاتل: كان يعذِّب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مدّه مستلقياً بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت. وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوارٍ كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وَتَد من حديد ويتركه حتى يموت. وقيل: ذو الأوتاد أي ذو الجنود الكثيرة فسميت الجنود أوتاداً لأنهم يقوّون أمره كما يقوّي الوتد البيت. وقال ٱبن قتيبة: العرب تقول هم في عزّ ثابت الأوتاد، يريدون دائماً شديداً. وأصل هذا أن البيت من بيوت الشَّعر إنما يثبت ويقوم بالأوتاد. قال الأسود بن يَعْفُر:
ولقد غَنَوْا فيها بأنعَمِ عِيشةٍ   في ظلِّ مُلْكٍ ثابِت الأوتادِ
وواحد الأوتاد وتِد بالكسر، وبالفتح لغة. وقال الأصمعي: يقال وتَد واتِد كما يقال: شغل شاغل. وأنشد:
لاقتْ على الماءِ جُذَيْلاً وَاتِداً   ولم يكن يُخْلِفُها المَوَاعِدَا
قال: شبَّه الرجل بالجِذْل. { وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ } أي الغيضة. وقد مضى ذكرها في «الشعراء». وقرأ نافع وٱبن كثير وٱبن عامر: «لَيْكَةَ» بفتح اللام والتاء من غير همز. وهمز الباقون وكسروا التاء. وقد تقدّم هذا. { أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ } أي هم الموصوفون بالقوّة والكثرة كقولك فلان هو الرجل. { إِن كُلٌّ } بمعنى ما كل. { إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ } أي فنزل بهم العذاب لذلك التكذيب. وأثبت يعقوب الياء في «عَذَابِي» و«عِقابِي» في الحالين وحذفها الباقون في الحالين. ونظير هذه الآية قوله عز وجل:وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } [غافر: 31] فسمى هذه الأمم أحزاباً.