Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } * { ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } * { رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } * { رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ } * { رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } * { فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ } * { لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ } * { مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } * { لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ } * { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } * { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }

فيه خمس وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تقدّم معنى هذه الآية في «البقرة» في غير موضع. فختم تعالى هذه السورة بالأمر بالنظر والاستدلال في آياته إذ لا تصدر إلا عن حَيّ قيّوم قدير قُدّوس سلامٍ غنيٍّ عن العالمين حتى يكون إيمانُهم مستنداً إلى اليقين لا إلى التقليد. { لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } الذين يستعملون عقولهم في تأمّل الدلائل. ورُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما نزلت هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه وسلم قام يُصلي، فأتاه بِلالٌ يُؤْذِنُه بالصلاة، فرآه يَبْكي فقال: يا رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر! فقال: " «يا بلالُ، أفلا أكون عبداً شكوراً ولقد أنزل الله عليّ الليلة آية { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } ـ ثم قال:« وَيْلٌ لمن قرأها ولم يتفكّر فيها» ". الثانية ـ قال العلماء: يستحبّ لمن ٱنتبه من نومه أن يمسح على وجهه، ويستفتح قيامه بقراءة هذه العشر الآيات اقتداءً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما وسيأتي ثم يصلّي ما كُتب له، فيجمع بين التفكّر والعمل، وهو أفضل العمل على ما يأتي بيانه في هذه الآية بعد هذا. ورُوي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة «آل عمران» كل ليلة، خرّجه أبو نصر الوائلي السِّجِسْتانِيّ الحافظ في كتاب «الإبانة» من حديث سليمان بن موسى عن مظاهر بن أسلم المخزوميّ عن المَقْبُريّ عن أبي هريرة. وقد تقدّم أوّل السورة عن عثمان قال: من قرأ آخر آل عمران في ليلة كُتب له قيام ليلة. الثالثة: قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلوا ٱبن آدم منها في غالب أمره، فكأنها تحصُر زَمانه. ومن هذا المعنى قولُ عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه. أخرجه مسلم. فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغيرُ ذلك. وقد اختلف العلماء في هذا فأجاز ذلك عبد الله بن عمرو وٱبن سِيرين والنَّخعِيّ، وكره ذلك ابن عباس وعطاء والشعبيّ. والأوّل أصح لعموم الآية والحديث. قال النَّخعيّ: لا بأس بذكر الله في الخلاء فإنه يَصعد. المعنى: تَصعد به الملائكة مكتوباً في صحفهم فحذف المضاف. دليله قوله تعالى: { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [قۤ: 18]. وقال:وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ } [الإنفطار: 10-11] ولأن الله عز وجل أمر عباده بالذكر على كل حال ولم يستثن فقال:

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8 9 10  مزيد