Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }

الدأب العادة والشأن. ودأب الرجل في عمله يدأب دأباً ودؤوباً إذا جدّ وٱجتهد، وأدأبته أنا. وأدأب بعيره إذا جهدَه في السير. والدائبان الليل والنهار. قال أبو حاتم: وسمعت يعقوب يذكر «كدَأَبِ» بفتح الهمزة، وقال لي وأنا غُلَيِّمٌ: على أيّ شيء يجوز «كدَأَب»؟ فقلت له: أظنه من دَئِبَ يدْأَب دَأَباً. فقبِل ذلك مِني وتعجب من جودة تقديري على صِغري ولا أدري أيقال أم لا. قال النحاس: «وهذا القول خطأ، لا يقال أَلبتّة دَئِب، وإنما يقال: دَأَب يدْأَب دُءُوباً ودَأْباً هكذا حكى النحويون، منهم الفرّاء حكاه في كتاب المصادر كما قال ٱمرؤ القيس:
كدأْبِك مِن أم الحُوَيْرِث قَبْلَها   وجارَتِهاأُمِّ الرَّبَابِ بمَأْسَلِ
فأمّا الدَّأَب فإنه يجوز كما يقال: شَعْرٌ وشَعَرٌ ونَهْرٌ ونَهَرٌ لأن فيه حرفاً من حروف الحلق». وٱختلفوا في الكاف فقيل: هي في موضع رفع تقديره دَأْبُهم كدَأْب آل فرعون، أي صنيع الكفّار معك كصنيع آل فرعون مع موسى. وزعم الفرّاء أن المعنى: كفرت العرب ككفر آل فرعون. قال النحاس: لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا، لأن كفروا داخلة في الصِّلة. وقيل: هي متعلقة بـ { أَخَذَهُمُ الله } ، أي أخذ آل فرعون. وقيل: هي متعلقة بقوله { لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم } أي لم تُغْنِ عنهم غَنَاء كما لم تُغن الأموال والأولاد عن آل فرعون. وهذا جواب لمن تخلّف عن الجهاد وقال: شغلتنا أموالنا وأهلونا. ويصح أن يعمل فيه فعلٌ مقدّر من لفظ الوقود، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق. ويؤيد هذا المعنى { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ } { ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ } [غافر: 45، 46]. والقول الأوّل أرجح، وٱختاره غير واحد من العلماء. قال ٱبن عرفة: { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } أي كعادة آل فرعون. يقول: ٱعتاد هؤلاء الكفرة الإلحاد والإعنات للنبيّ صلى الله عليه وسلم كما ٱعتاد آل فرعون من إعنات الأنبياء وقال معناه الأزهريّ. فأمّا قوله في سورة الأنفالكَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } [الأنفال: 52] فالمعنى جُوزِي هؤلاء بالقتل والأسر كما جُوزِي آل فرعون بالغرق والهلاك. قوله تعالى: { بِآيَاتِنَا } يحتمل أن يريد الآيات المتلوّة، ويحتمل أن يريد الآيات المنصوبة للدّلالة على الوحدانية. { فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }.