Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } * { إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * { وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ }

قوله تعالى: { مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ } قال الأخفش: { كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ } وقف تام، ثم قصّ قصّتها فقال: { ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً } قال ابن الأنباري: وهذا غلط لأن { اتَّخَذَتْ بَيْتاً } صلة للعنكبوت، كأنه قال: كمثل التي اتخذت بيتاً فلا يحسن الوقف على الصلة دون الموصول، وهو بمنزلة قوله:كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } [الجمعة: 5] فيحمل صلة للحمار ولا يحسن الوقف على الحمار دون يحمل. قال الفراء: هو مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حراً ولا برداً. ولا يحسن الوقف على العنكبوت لأنه لما قصد بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شيء، فشبهت الآلهة التي لا تنفع ولا تضر به. { وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ } أي أضعف البيوت { لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ }. قال الضحاك: ضرب مثلاً لضعف آلهتهم ووهنها فشبهها ببيت العنكبوت. { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } { لَوْ } متعلقة ببيت العنكبوت. أي لو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت التي لا تغني عنهم شيئاً، وأن هذا مثلهم لَمَا عبدوها لا أنهم يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف. وقال النحاة: إن تاء العنكبوت في آخرها مزيدة لأنها تسقط في التصغير والجمع وهي مؤنثة. وحكى الفراء تذكيرها وأنشد:
على هَطَّالهِمْ منهمْ بُيوتٌ   كأنّ العنكبوتَ قدِ ابتناهَا
ويروى:
على أهطالهم منهمْ بيوتٌ   
قال الجوهري والهطال: اسم جبل. والعنكبوت الدويّبة المعروفة التي تنسج نسجاً رقيقاً مهلهلاً بين الهواء. ويجمع عناكِيب وعَنَاكِب وعِكَاب وعُكُب وأَعْكُب. وقد حكي أنه يقال عَنْكَب وعَكَنْبَاة قال الشاعر:
كأنَّما يَسقطُ من لُغَامها   بيتُ عَكَنْبَاةٍ على زِمَامهَا
وتصغَّر فيقال عُنَيْكِب. وقد حكي عن يزيد بن مَيْسرة أن العنكبوت شيطان مسخها الله تعالى. وقال عطاء الخراساني: نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود حين كان جالوت يطلبه، ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك نهي عن قتلها. ويروى عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه في البيوت يورث الفقر، ومنع الخمير يورث الفقر. قوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ } { ما } بمعنى الذي، و { مِنْ } للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد لانقلب المعنى والمعنى: إن الله يعلم ضعف ما يعبدون من دونه. وقرأ عاصم وأبو عمرو ويعقوب: { يَدْعُونَ } بالياء وهو اختيار أبي عبيد لذكر الأمم قبلها. الباقون بالتاء على الخطاب. قوله تعالى: { وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا } أي هذا المثل وغيره مما ذكر في «البقرة» و«الحج» وغيرهما { نَضْرِبُهَا } نبينها { لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ } أي يفهمها { إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ } أي العالمون بالله كما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه ".