Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } * { لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } * { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } * { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ }

قوله تعالى: { وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ } نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وكانوا يعبدونهم طمعاً في شفاعتهم لهم. وروى معمر عن قتادة قال: قالت اليهود ـ قال معمر في روايته ـ أو طوائف من الناس: خَاتَن إلى الجن والملائكة من الجن، فقال الله عز وجل: «سبحانه» تنزيهاً له. { بَلْ عِبَادٌ } أي بل هم عباد { مُّكْرَمُونَ } أي ليس كما زعم هؤلاء الكفار. ويجوز النصب عند الزجاج على معنى بل اتخذ عباداً مكرمين. وأجازه الفراء على أن يرده على ولد، أي بل لم نتخذهم ولداً، بل اتخذناهم عباداً مكرمين. والولد هاهنا للجمع، وقد يكون الواحد والجمع ولداً. ويجوز أن يكون لفظ الولد للجنس، كما يقال لفلان مال. { لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ } أي لا يقولون حتى يقول، ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم { وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } أي بطاعته وأوامره. { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } أي يعلم ما عملوا وما هم عاملون قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: { مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } الآخرة { وَمَا خَلْفَهُمْ } الدنيا ذكر الأول الثعلبي، والثاني القشيري. { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } قال ابن عباس: هم أهل شهادة أن لا إلٰه إلا الله. وقال مجاهد: هم كل من رضي الله عنه، والملائكة يشفعون غداً في الآخرة كما في صحيح مسلم وغيره، وفي الدنيا أيضاً فإنهم يستغفرون للمؤمنين ولمن في الأرض، كما نص عليه التنزيل على ما يأتي. { وَهُمْ } يعني الملائكة { مِّنْ خَشْيَتِهِ } يعني من خوفه { مُشْفِقُونَ } أي خائفون لا يأمنون مكره. قوله تعالى: { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ } قال قتادة والضحاك وغيرهما: عنى بهذه الآية إبليس حيث ادعى الشركة، ودعا إلى عبادة نفسه وكان من الملائكة، ولم يقل أحد من الملائكة إني إلٰه غيره. وقيل: الإشارة إلى جميع الملائكة، أي فذلك القائل { نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ }. وهذا دليل على أنهم وإن أكرموا بالعصمة فهم متعبَّدون، وليسوا مضطرين إلى العبادة كما ظنه بعض الجهال. وقد استدل ابن عباس بهذه الآية على أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل أهل السماء. وقد تقدم في سورة «البقرة». { كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ } أي كما جزينا هذا بالنار فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الألوهية والعبادة في غير موضعهما.